القرية والحلم

يوسف العوهلي

 

هذه حكاية عن بلدة صغيرة آمنة مطمئنة فقيرة يقتات بعض اهلها المتعلمين على صيد البحر وبعضهم في التجارة. وبالرغم من اهل هذه البلدة ليسوا بأغنياء مادياً، إلا انهم امتلكوا اشد الاسلحة فتكاً.

 

وقبل ما يقرب من ثلاثين عاماً استعمل اهل هذه البلدة اسلحتهم الفتاكة (العلم، والعزيمة، والاخلاص) وقرروا نفض غبار الجهل والضعف وشمروا عن سواعدهم. اجتمع اعيان هذه البلدة وبدأوا بالتخطيط بإنشاء مدرسة لبلدتهم؛ واستعان اهل هذه البلدة بأمير البلد التي تتبع لها هذه  البلدة، وبالرغم من فقرهذه البلاد إلا أن اميرهم ادرك قوة ايمان وعزيمة أهل هذه البلدة ومنحهم بعض المال الذي يعينهم بالبدء بمشروعهم.

 

قرر اعيان البلدة بتكوين مجلس لهذه المدرسة ليشرف على التأسيس. وفعلاً قام هذا المجلس بجمع التبرعات من اهل هذه البلدة ومن تجار البلد. إلا أن تفكير اهل هذه البلدة لم يكن عادياً، حيث أنهم لم يريدوا انشاء أي مدرسة؛ فقد قرر اعضاء مجلس المدرسة المنتخبين أن عليهم إنشاء مدرسة متميزة بإمكانياتهم المتواضعة. 

 

وبالرغم من الحرب التي كانت تمزقها، إلا أن لبنان تمتلك العقل العربي المتنور بالعلم، ولما لا ولديها اعرق الجامعات في الدول العربية. وخاصة أن الدول العربية الأخرى من المشرق إلى المغرب تسبح في ظلمات الجهل والجري وراء المادة. ووقع الاختيار على لبنان وبالتحديد شركة عالمية متخصصة بإنشاء المدارس والمناهج التعليمية.

 

الآن، وبعد مضي ثلاثون عاماً، لدى المدرسة اكثر من 1500 طالب وطالبة، ومخرجاتها التعليمية من طلبة الثانوية تعتبر من الأفضل في الخليج إذا لم يكن في العالم العربي ككل. وما يشهد لهذه المدرسة بالتميّز أن العشرات من طلاب الدولة المجاورة يأتون يومياً للدراسة بهذه المدرسة.

 

رأيت مختبرات الفيزياء، والكيمياء، والأحياء المجهزة بأفضل الأمكانيات، رأيت الفصول الدراسية التي تحتوي على أحدث اجهزة الايضاح والتعليم الالكتروني. رأيت المكتبة الكبيرة التي تحتوي على جميع وسائل الاطلاع المكتوب والالكتروني… كنت اطوف في المدرسة وكأنني احلم.

 

ما ادهشني هو أن ليس لديهم كتب معدة من الوزارة ما عدا كتب الدين، وطبعاً القرآن، واللغة العربية. وتعتمد المدرسة الأساليب الحديثة في التعليم حيث يقوم كل مدرس بدراسة الاطار العام لكل مدة في كل مرحلة ويقوم المدرس نفسه بتطوير منهج المادة والوسائل التعليمية المطلوبة بتدريس المادة.

 

ما تتميز به هذه المدرسة عن أي مدرسة اخرى (قد لا ابالغ أن قلت في العالم) أن المدرسة غير ربحية، يعني أن المدرسة تعاونية لا تحقق ارباح، وجميع مداخلها المالية من الرسوم الدراسية تذهب لتطوير المدرسة تحت اشراف الأهالي (مجلس الأمناء).    

 

من حسن الحظ أن هذه القصة ليست بخيال وإنما واقع… البلدة هي “الرفاع” البحرينية والتي تقع على بعد بضع كيلومترات من العاصمة المنامة، والمدرسة هي مدرسة “ابن خلدون”.

 

نرفع ايدينا تحية لأهالي هذه البلدة، ونقول لهم نهنئ انفسنا بهذا الانجاز الكبير، و أن ما قمتم به  فخر للإسلام والعرب. ونقول لهم أن ما قمتم به يجسد (بأحسن صورة) استجابة لما قاله الله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ} [الصف: 2 – 3].