الأكتشاف

ثائر الشيخ

 

هزة عنيفة ايقضتها بعد أن نامت بالأمس مبكرة إلا أنها لم تفتح عيناها بعد..

لقد ظلت مستلقية في فراشها دون حراك  . وشيء ما يجبرها  على إبقاء جفونها مغمضة  ..! ربما هو رغبتها بالنوم مجددا  أو إنها  كانت تريد البقاء في سريرها ساكنة بلا حراك  وليزول  منها آخر ما تبقى من تعب بعد ليلة طويلة من الكوابيس المرعبة  التي كانت تزاحم أحلامها التي فرت بعد أول حفلة رقص مع تلك الكوابيس المرعبة…..

ثـــائـــر الـشــــيــخ

كان إحداها مخيفا جدا   لدرجة أنها تتهرب من تذكره   لم تكن تريد تذكره بتاتا….

هي فقط تريد البقاء في السرير بلا حراك لفترة ..!

بعد قليل..كأن كل من المنزل تجمع في غرفتها فجأه… كانت تحس بوقع أقدامهم  بل إنها تكاد تميزهم من خلال طريقة مشية كل واحد منهم….

لقد  كان آخر شخص دخل الغرفه هي أختها الصغيرة وأنها مستعدة لتراهن على ذلك بكل ما لديها من نقود تبقت في حقيبتها بعد ان صرفت معظمه عند الطبيب الذي يعالج مرضها المزمن بالأمس….

لقد كانت خطوات أمها  تثير فيها الحيرة والتساؤل   وتبعث في نفسها رغبة مجنونة في أن تبعد عنها غطائها وتفاجئها  بصرخة تداعبها بها في هذا الصباح البارد…ولتوقف أيضا زحفها الوئيد نحوها والذي لا يخلو من غرابة   ودت رغم شعورها بها ورغبتها الأكيدة بالممازحة  صباحا أن تترك لأمها وضع نهاية له بصرخة   ربما    أو بشيء من الدعابة وينتهي الأمر…

إنه يوم مميز بالتأكيد..ولابد أنه يعني شيئا لأحد ما ولابد أن أكون ذلك الشخص المعني  ولابد أنهم يعدون لي خلاله مفاجآت عديدة ستكون أولاها في السرير هنا والآن وآخرها حتما على المائدة أثناء الفطور أو حتى العشاء..  ربما    من يدري …؟؟

لقد كانت معتادة على أن تفزع كل أفراد عائلتها بشتى الألاعيب وهي ترغب الآن أن تكون محل احد منهم لتعلم المزيد عن مدى التأثير الناتج عن إفزاع احدهم , ولتتوصل عبر تجربة ذلك الإحساس لطرقٍٍ جديدة تطور بها أساليبها القديمة التي عرفت وصار التغيير لازما..

لحظات سريعة وانتهت تلك الأفكار التي تداولتها بخلدها بينما هي ما تزال في الفراش بعد صرخة قوية تعاقبت بعدها صرخات أخرى شديدة مزقت بتلاحقها ضحكة أعدتها بين حنايا صدرها الذي امتلاء هو الآخر بهواجس مضطربة مريبة لا يسكت ضجتها إلا الذهول الذي أصابها بالتشنج والذي أملا عليها إرادته القوية بأن تبقى ساكنة وبلا حراك ودونما قدرة على التحري بأبسط ما تملكه من حواس …!! لم يتح لها إلا أن تسمع وأن تشعر بالبرد الذي سيطر هو الآخر على حركة أطرافها بقوة عجيبه..!!

عبر آذانها,  ولجت أصوات انتحابية مريرة   ,  لا تخبو نار آلامها ..

وصوت أمر   لم تعتد نبراته الحزينة من قبل .. حتى أنها  لم تكد تعرف أنه كان صوت أبيها الحنون إلا بعد أن اخذ يكلمها  أثناء ما كان يبسط فوقها الغطاء حتى أوصله أعلى رأسها فغطى به وجهها  وهو يقول…. لا ترتعبي يا أبنتي  وأبقي ساكنة هادئة ولا تخشي شيئا أبدا مهما كان..

وأستمر يردد كلمات عطوفة حنونه  أشعرتها بدفيء غامر وهدوء أسكن روعها وأعاد لها رغبتها بالنوم بالسكينة التي أغدقها عليها ذلك الأب الحنون….

استيقظت من جديد..واستمرت رغبتي بعدم النهوض من الفراش …

حتى الآن لم يحدث أمر جديد آخر ..الأصوات اختفت منذ فتره ليست بقصيرة…

لا زالت عيناي مغمضة  بلا وعي مني يعرف لي معنى ما يحدث سوى أنه أحد تلك الكوابيس التي تفقد الواحد منا حتى قدرته على الإتيان بأبسط الحركات..أو ربما أنها ما زالت نائمة حتى اللحظة تعيش في أحد تلك الكوابيس..!؟

البرد يلتهم أطرافي…    وما فوقي من غطاء لا يفي بما ينبغي منه من أن يدفئني …وددت لو أن هنالك المزيد من تلك الأغطية  إلا إنني أفضل البرد على النهوض من الفراش حاليا..وربما سيأتي من يأتي فأطلب منه أن يضع علي المزيد من الدثار…

بعد برهة قصيره..عادت أصوات الأقدام ألمثيره إلى غرفتي  فعلمت أن الحلم المزعج لا يزال مستمرا ..إلا أنني هذه المره لم أميز من بينها إلا وقع أقدام أبي وأخي الذي لا أعرف ما الذي جعلني أحن أليه كثيرا في تلك اللحظات..ربما لشعوري بالوحدة أو لأنني أعلم أنه برغم قساوته فهو الشخص الوحيد القادر على أن يخلصني من أي شيء يعتريني من خوف أو آلام..

لم يكن الباقين سوى مبهم بالنسبة لي ..فأنا أدركت أنهم ليسو من بقية أهلي ..

لقد اقتربوا هذه المرة مني أكثر فأكثر..   لا    بل إني شعرت بأيديهم تمتد تحت ظهري وساقاي ورقبتي ولست اعلم ماذا يلوون..؟؟

وأغرب ما في الأمر أنني لم أحاول السؤال عن نيتهم.. ولكن يبدو إن لوجود أبي معهم تفسير مقنع لما يفعلون…

لحظات وبداءت ارتفع , وكنت مرقية على ظهري وفوق راحات أيدي الرجال الغرباء ولا بد ان ينتهي الموقف الى هذا الحد .  فلم يعد الأمر مزاحا ولا حلما مزعجا ولابد لي أن انتفض ضد هذا الكسل الغريب أو النوم العجيب ولكن….!!؟

لم يحدث قط أن شق علي أن ارضخ جسدي لرغباتي .. بل انه لم يعصي لي أمرا أبدا في يوم من الأيام   حتى عندما كنت أعاني من المرض كنت قادرة على جعله يقوم بما أملي عليه من مطالب ..  لكنني اليوم اعجز عن هذا تماما..!! فلقد رفض جسدي الانصياع هذه المره….

رفض أن ينصاع..؟؟!!!!!

رفض ذلك.!!

لابد إني ما زلت نائمة واني ما زلت احلم..

سأصل إلى النهاية حتما ولابد لهذا الأمر أن ينتهي    وعليه سأترك الأمر على ماهو عليه ولأدع الباقين يقومون بأدوارهم كما يحلو لهم أو كما يحلو لهذا الظرف أن ينيط بهم من ادوار..ولأبقى مسجاة هكذا ما دام هذا هو الدور الوحيد الذي سألعبه في هذه اللعبه..

لقد تحرك الجميع..بعد أن أصبحت خارج مساحة السرير   وكنت ما أزال عالقة على ما يبدو بين السماء والأرض فوق يدي من كانوا يحملونني  ويبدو أنهم أخرجوني أخيرا من غرفتي ووضعوني في سرير آخر ..!

ترتفع تدريجيا أصوات بكائية مألوفه  احدها كان يجهش صبابة تمزق القلب ألما و نكدا ممزوجا بكل ما تعرف من توسلات لي أن أرد أو أجيب   ولكن على ماذا…؟؟

لا اعلم..لكنني وددت لو أفعل غير أن سيناريو هذا الحلم الغير اعتيادي لم يدرج فيه ذلك..وعلى العموم فلقد بقيت هامدة مسجاة لفترة مرت كأنها سنوات حملت بعدها إلى مكان آخر من جديد  برودته قارصه ولا يسمع فيه أي صوت   والسكون لا شيء يشبهه لولا أن مزق صفحاته فحيحات من هواء بارد تنبعث بانتظام من كل مكان لامست جسدي الذي شعرت انه عارٍ تماما ولا بد أنني ذهبت عن الوعي في فترة من الفترات ففضل الحلم المزعج العسير أن ينقلني إلى ما أنا فيه وما أصبحت عليه…!!

لابد أن ما يحدث هو الأغرب بالتأكيد ولكن كل ذلك سيزول حتما بعدما تعرفون نهاية ما حدث فعلا..وهو ما أحاول الوصول إليه أنا أيضا منذ فترة طويله..

لقد كان الهاجس الوحيد الذي أضحكني بشده هو خوفي من أنني قد مت وان الذي يحدث حقيقيا    ..لكن لا …ليس هذا من الواقع بمكان ..حيث أن كل ما قراءته من كتب أو شاهدته من أفلام تجمع على أن من يموت لا يحس بشيء أبدا …

لا.!!              بل انه يستطيع أن يرى نفسه من مكان مرتفع أحيانا حين تخرج منه روحه  أو انه يتحول إلى كائن آخر مؤقتا يراقب خلاله مراسم تأبين جسده…

ههههه

لا بد أني توغلت بعيدا في هذه الغابة الكبيرة من الهواجس, ولابد من أنني سأفقد صوابي لو استمر الحال على ماهو عليه , إذ  لابد من إضفاء  بعض الحيوية على هذا الدور البارد الذي أنيط بي في هذا الكابوس الغريب الفريد من نوعه والذي لابد انه نسج من عقلي الباطن الذي لطالما تخوف من الموت بل قولوا انه كثرما كان يفكر فيه مرغما من جراء نوبات المرض الشديدة التي مررت بها طوال سنين حياتي…

الآن بداء كل شيء من جديد..لقد أحسست بهزة عنيفة قلبتني ظهرا على بطن..ولابد انه كان رقيقا جدا من كان يحاول حشري بملابسي , فلقد كان يمرر ساقاي بكل لطف وحنان في ملابسي بعد أن تمر عليهما يداه الدافئة …لقد كان أمرا غريب فعلا ولابد انه لم يكن من الذين اعرفهم..فلقد مرت عليه لحظات كان فيها يضمني إليه بوداعة و سكينة ويحتطنني بين ذراعاه كما كان يفعل ( ثائر) خطيبي عادة حين كان ينفرد بي مستغلا أي فرصة خلوه حين يتركنا اهلي نادرا..هههه

لقد كاد الأمر يشبه ذلك وكاد أن يسكن من كان يفعله إلى الأمر مطولا لولا أن الأصوات عادت من جديد وبداء صوت الهمس والأقدام بالاقتراب تارة أخرى ولابد أن شيئا ما كان يحدث , فالحلم كان ينقطع برهة صغيرة تحدث بعدها انتقالات بعيده وهنا هذا الشيء الوحيد الاعتيادي في مثل هذه الحاله , فأنا إزاء كل من تلك البرهات والانتقالات أيقن أن ما يحدث هو حلم مزعج فحسب فكثيرا ما يحدث في أحلامي مثل تلك الانقطاعات التي لا تمت بصلة إلى ما يليها …

 

شوق غريب رغم كل ما يحدث اخذ يشدني من كل ما أنا فيه ليزرعني بين أحضان أمي شجرة تلف أغصانها حول ذلك الصدر الدافئ الذي لطالما وسع كل ما في من هموم واحتضن كل أمنياتي واعدا لها بالتحقيق ومهما كلف الأمر , كان رحبا صدر أمي , كان ملعبي ومدرستي التي تعلمت فيها دروس الحياة , ها هو يغمرني بالحنان مرة أخرى بمجرد أن تذكرته على الأقل ..ليتني أطاله الآن لألقي بنفسي بين ربوعه عطشا ينشد الارتواء مما فيه من امن وطمأنينة وحنان , وليخرجني مما أنا فيه من قيود…

لم يمضي الكثير من الوقت حتى لونت محاجر أعيني السوداء بالاحمرار ..أشعة دافئة شعرت بها تلامس وجهي لفترة وجيزه أظلمت بعدها محاجري من جديد وامتلاء صدري زفرات مرة أخرى…

لقد عدنا من جديد لما كنا فيه من ضياع…لقد عدت الآن إلى متاهتي التي لا مخرج لها مرة أخرى..لقد عدت إلى دوامة ما قدر لها أن تنتهي بعد, لتأخذني زوابعها إلى عالم مظلم بارد ولتنشر فوق وجهي سهولا من ضياع ترمح بين ربوعها خيول هواجسي بكل اتجاه …

على مقربة مني كان يسمع صوت كأنه صوت قرع نافذة غرفتي , ترطمها الرياح بشدة يمنة وشمالا, تمتد إلى جسدي لتداعب أطرافي بشيء من الوقاحة ولتلج بعدها إلى باقي أرجاء الغرفه…

انتقاله أخرى وعتمة لاح بعدها النور بعد أن فتحت عيناي أخيرا…

لا..

لا اصدق لقد كان كابوسا مرعبا حقا…لا اصدق إني تخلصت منه أخيرا..لقد كاد أن يصيبني بالجنون لولا أن تداركني الله أخيرا..

ها أنا استطيع رفع يدي بالهواء   وابعد بهما غطائي بلا عصيان , وها أنا اخرج من سريري بنشاط وهمة قويه لم اعتدها  سابقا  أو أنها…؟  لنقل لم تكن موجودة بهذا الشكل..

أستطيع الآن أن ارفس الأرض برجلي وأسير أينما وددت..  نعم أستطيع كما في الماضي..لا أذيع سرا أذا قلت بأنني دهشت عندما أستيقضت , فما كنت اعتقد أبدا أنني سأجتاز كل تلك الدروب الموحشة أبدا وما كنت لأظن أنني قاطعة كل تلك المسافة الطويلة بين اليقين والأوهام..لقد كانت مسافات شاسعة ملؤها الخيال المرعب المفروض قسرا والذي شنجني كثيرا حتى افقدني قدرتي على الحراك أو رفض ما أملي على من متابعة ذلك الكابوس..

لا اصدق أنني لم أكن قادرة إلا على الاستماع إلى تلك الأصوات الانتحابية  ولم أكن أحس إلا بالرياح تلفح جسدي والبرد الذي أصابني بمقتل..

لقد عدت أخيرا كما كنت, وها أنا أتحرك كما أريد وبقوة لا متناهية ولا تقف عند أي حدود…

ههههه  كنت أمزح فقط…فلم أتحول بعد إلى فتاة خارقة بمجرد أن صحوت من حلم عقيم مثل الذي مر, ولن استطيع تحريك السرير بنظرة أو الطيران بذراعين مجردتين من الريش أو بريش…          هل أستطيع أن أجرب على الأقل..؟؟

إنني اقدر ..أقدر..أقدر….

سأحرك يداي وسأعلو ..أعلو…أعلو…

سألامس سقف الغرفه …سأحوم قليلا حول سريري الصغير…

ضحكات حلوه ثم بعدها بداء الصمت يسدل ستاره الطويل…

 

أنا فوق…!! ولا احد يرفعني..؟!!

أنا فوق..بدون جناحين ..؟!!

أنا فوق…ولا أتعلق بحبل أو أمسك بمروحة السقف..؟؟!!

 

أنا فوق..وأستطيع أن أحوم كما أريد ..

 

أنا فوق…لكن..!!

 

من تلك التي على فراشي..؟؟

 

هل هي أنا..؟؟

 

ههههههه..لابد أنها هي…