البائس العملاق

ثائر الشيخ

 

على موائد النسيان..كثيرا ما كنت الوجبة الرئيسيه

وعلى طاولة الربح والخساره..كنت الخاسر الوحيد بلا منازع وما اربحه اربحه فتيلا اشعل به جحيم حياتي…

ثـــائـــر الـشــــيــخ

هذا ما كان يتحدث به قبل ساعات فقط على خبر انتحاره..

… كان رجلا اقل من ان يذكره الناس ولو بسوء..لم يكن له اعوانا او اصحاب..

لم يكن الا بائع جرائد متجول يعرفه الناس منذ كان طفلا مرحا قبل ان يلتقي فيما بعد بامه

التي عكفت على تربيته منذ مات ابوه الذي صارع المرض سنوات طويله..

لم ينتبه له الناس كثيرا,,ولكنهم بدؤا بالسؤال اخيرا..

 

ترى لما لم يعد يلعب معنا او يرتاد المدارس مثل حالنا؟؟؟

لما لم نسأل عنه كل تلك الفتره

او لنقل لما لم نهتم لحاله كل هذه السنين؟؟

 

لو عدنا بالذاكره قليلا لوجدنا انه لم يتعرف على امه الا بعد ان مات والده وهذا مدخل الكلام الى عالم ذاك المسكين الذي وجد هذا اليوم معلقابحبل..

لم يكن احد يعرف عنه الكثير وربما ذاك ما كان يحاول ابوه ان لا يكون..

الا ان بعض اطراف الحديث كان قد وصل الى مسامع الكثيرين ايام ذاك..

نعم ايام كان الوالد يعمل في احد المدارس الشعبيه كمعلم للغة العربيه وقتها..

وهناك كان لابد له من معارف اهتموا حقيقة بحقيقة شأنه وراق له ايامها ان يشاركهم ولو شيئا مفهوما عن حياته..

نعم

قال احدهم انه رآه ذات مره يخرج من البيت حاملا بيد هراوة غليضه ويجر بالاخرى زوجته الى قارعة الطريق وبينما هو كذلك كانت تصرخ بكل ما اوتيت من قوه…

لم تكن تطلب النجده..لا ..؟؟كانت تتحداه ان يضربها بتلك الهراوه…

كان يتجاهل محاولاتها الاستفزازيه تلك بكل ما اوتي من ارادة وتصميم على كل ما يليها من استفزازات اخرى قد تكون اعنف واشد باستهدافها مناطق رجولته ومكامن كبرياءه..

 

لم يطل الامر ….فقد رحلت الام الى مكان مجهول وصار الاب عنوان شامل يمنح الصبي المسكين كل ما يحتاجه من حنان او يمنحه ما يحتاجه من قوة على ان يكون رجلا بحق في المستقبل…

 

 

لم يدم الامر طويلا..فما كابده ذاك الرجل التعس لم يترك له مجالا فسيح من وقت يهب فيه لذلك الصبي ما يمنحنه القدرة على البقاء بدونه …

مات الرجل ..وما تبقى منه كان عبارة عن وجه شاحب لطفل مازال لا يدرك الامر بعد..لا يدرك ان عليه التواجد لاحقا في اشد مكامن الخطر وحيدا ..

لم يدرك بعد معنى ان يترك بغير جدار يحميه الاخطار او بغير يد تكفكف له دمعه..لقد كان ارث الرجل الميت,طفلا لم يتمكن قط من يحيى لامد يسمح له ان يبلغ حد الشعور بما يدور حوله..

 

ذلك اليوم الذي تلى وفاة الرجل ,كان يوما مثاليا لتقصي الاخبار عن الاحداث المبهمه التي غيرت حياة الاستاذ الذي لطالما عرفه الناس برقة طبعه وصفاء روحه..تكلم بعض الناس وقتها عن

بعض الاسباب التي دفعته لتجريد الزوجه الرعناء عن صلاحياتها كأم ونبذها الى حيث لا احد يعلم..وبالمناسبه..لقد كان تواجدها في الجنازه من الامر الذي لم يكن بعيدا عن الظن وليس احتمالا.

بل كل من كان يحضر الجنازه كان متاكدا من ظهور تلك السيده التي اعتاد الناس رؤيتها دائما تسترق النظر من بعيد الى حيث الدار التي تركت فيه ذلك الغلام الصغير..لم يكن الامر معقدا لاستنتاج

ما سيحدث عندما ستحضر تلك السيده التي عرفت بجمالها وموهبتها على ربح قلوب من يحيطون بها ..ولكن ما حدث هو الذي لم يكن بالحسبان…؟؟؟

بعد يوم من وفاة الرجل المأساويه وساعات طويله انقضت ما بين التشييع واقامة مراسيم الجنازه وعقد مجلس العزاء..لم تظهر بعد تلك السيده وحتى في اليوم التالي والتالي والتالي…

 

لم ندرك وقتها ان الام التي طالما انتظرت الفرص لتقترب من طفلها المحرومة منه,انها لم تكن متوفرة لتطالب بما كانت تتوق اليه من زمان بعيد…ربما لم تكن تريد ذلك ؟؟من يدري!!!

لم يكن امر الابقاء على ذلك الطفل المسكين خيارا وقتها..بل ان الجميع اتفقوا على ان يجعلوه في بيت رعاية الايتام الى حين يظهر من يطالب به..لم يكن احد يهتم له او ان يكون مستعدا ليغامر ان

يزج بنفسه في طريق تلك الام التي لم تظهر بعد..الجميع كان متاكدا انها ستكون حادة الطبع مستاءة جدا منهم جميعا,فما توفقت اليه من كسب محبتهم والتفاني في السعي الى تلك المحبه عبر كل ما كانت

تقدمه لهم من ود واخلاص وتعاون لم تجد ازاءه الا كل جحود ونكران من خلال تركهم لها بين يدي الاقدار التي لملمت عليها كل كريه من اشياء..!!!!

اتفق الناس وقتها على ان يودعوه الملجاء الذي هو في المدينة المجاوره واتفقوا ايضا على ان يتداول كلهم الاشراف على العناية به طالما هو هناك..

من بعيد….وعبر الطريق التي المؤدية الى ذلك الملجاء ,كانت عينا الصغير تراقب وبصمت وسكون كل ما نمر به على الطريق,لابد انه يريد ان يتعرف من الان على معالم الطريق لحفظها فيما لو كان

سيحتاجها في حالة قرر الرجوع الى البيت مرة اخرى..ولكن..

ما كان ينتظرهم في الملجاء شيء لم يخطر لهم على بال!!!!!!!

دخل الجمع الذي جاء مع الصغير الى الملجاء ,,في غرفة الاداره,كانت هناك سيدة تبدو عليها امارات البلوغ الطاغي وكبر يجثو فوق محياها الذي لم يكن يخلو ايضا من علامات الجمال.

كانت صاغية الى شيء ما !ربما كانت تستمع الى وقع اقدامنا ونحن نخطو الى حيث الغرفه التي كانت تشغل فيها كرسي الاداره الكبير .كانت تنظر الينا بعيون كحل خواطرها معرفتها مسبقا من اجل

ماذا نحن هناك..لا ليس ذاك..

يال الله..!!

ما كنا نعتقده تشابها صار اكثر من تطابق..بل انها هي ذات المراءه..فقد فضحتها دموعها التي وارتها خلف ما ارتدته من نظارات …انها تلك السيده

التي لطالما كانت بينهم سنوات عديده وحتى قبل ان تتزوج والد ذلك الصغير المسكين..

انها ..انها امه!!!بالطبع

تربية الايتام والعكف على رعايتهم,هذا ما كان يبقيها حية تقاوم بهؤلاء المساكين فكرة ان تبقى وحيدة مستغربه..نعم..هو ذاك..لم تاتي لتاخذ صغيرها الذي انتظرته طويلا لانها كانت تعلم وتدرك

ما كنا بصدده من قبل ان نقوم به اصلا..

يال ذكاء تلك السيده..كانت خلابة بمظهرها ,شفافة تكاد تدرك كل ما يعتمل داخلها من خلجات واعتلاجات,رغم انها كانت احيانا تبدو على غير طبيعتها تلك..

لقد تمكنت تلك السيده اخيرا من استرداد صغيرها اليها ,,اخذته بكل قوانين العوده والانتماء…استلمت مقاليد الحكم ثانية ولن تتنازل لاي شخص او شيء اخر بعد اليوم..

من هنا ,بداءت حياة ذاك الصبي الصغير ,ومن هناك خطى الى طبيعته المعطاء اول الطريق بانضمامه الى جمع غفير من صغار لا يملكون في هذا الكون الا قلب امه الذي يتسع لهم وله ايضا..

كانت امه تحكم سيطرتها على الجميع جيدا..فلم يكن هناك من يحاول الهروب من ذلك المكان , وحتى انه لم يسجل اي مخالفة بسجله وقت ذاك لكونها كانت تقدم الكثير من الحب والتفاني والاخلاص الذي

كان هو كل ما يحتاجه هؤلاء الصغار ليكملو دورة الحياة..

ولكن..

واه من اللكن تلك..

فما كان يبدو انه جنة المؤى لم يكن في حقيقة الامر الا الشكل المتبقي من نظام لم يعد الناس يعونه او يكنون له الاحترام ..

فما كانت لتقدر ان تعيل كل ذلك العدد من الايتام بعد ان استنفذت عليهم اخر فلس من نقود استورثتها من عائلتها التي لم يبقى من افرادها احد بعد ان فارقت بينها وبينهم الحرب التي اجبرت معضمهم الى الفرار

الى البلدان المجاوره اما البعض الاخر فكان ممن قضوا فيها اخر لحظات حياته..

نعم تلك هي التداعيات التي صنعت ذلك العملاق الصغير!!!

مرضت تلك الحانيه..وهزلت حتى قاربتها يد المنون…افرغت من مقلتيها اخر دمعة تمكنت من ايداعها لذاك الصغير …

دمعة وسمته ان يبقى منهورا منكودا طوال السنوات التي عاشها بعد تلك السيده

التي كانت الوحيده القادره على ان تضعه فيمن يصنفون من البشر..ولولا طرقات الاقدار المرعبه لكن قد حدث ذاك..

اودعته تلك الدمعه التي ما فارقت عيناه ابدا حتى مات..وكانت هي العلامه التي استعرف بها لامد طويل.

 

لقد فارقه الان كل ما تعرف عليه من خلان,ولم يبقى في حقيبة حيله المتواضعه الا فرصة البقاء حيا قرب مكان قبر امه وابوه..لم يكن يملك الكثير..لم يملك سوى حبه للمطالعه وساعدين قويان..

 

.

عبر ليال وحدويه,وايام كان اقل ما يقال عنها ماساويه,استطاع ان يلج الطريق التي اوصلته لبيع الجرائد,اما كيف فتلك قصة ثانيه ساخذها باقتضاب.

 

كان يوما عاديا من ايام حياته التي ما مر بها الا السوء..كان قد اضمحل وانهك جوعا وتعبا ادى به ان يلقى بجسده الى جدار دكان صغير محاولا التقاط انفاسه وادراك شيئا من قوته لعله يصل بها الى بيته

القديم..

ما كانت الا دقئق حتى غط في نوم عميق كالبته فيه كوابيس من انواع مختلفه اجهدته حتى وهو نائم..

لم تتركه المراءة التي احبها خلالها وحيدا..فقد ذادت عنه طاردة تلك الكوابيس لتلج الى روحه النائمه حلما جميل يحنو عليه بذكراها المؤنسه..مدت يدها الى جبهته,

مسحت الغبار الناشيء من الطرق التي مر بها كثيرا,مررت اليه بقطعة خبز وكأس ماء بارد ثم هزته قليلا..استيقض ايها الغلام

استيقض,..

افاق الفتى على هزات عديده ليرى غير الوجه الذي كان يطالعه في النوم,لا ليست امه,كانت السيده الكبيره التي تملك ذلك الدكان الصغير..تحمل في يديها شيئا من الطعام وماء..

هذا لم يكن حلما,مد الصغير يداه الرعشه الى الطعام وبينما هوا كذلك لفت انتباهه خبرا منشورا في الجريدة التي وضعت اسفل الطعام على وجه الصحن الذي قدمت اليه تلك السيده الكريمه له الطعام فيه..

ابعد الطعام قليلا..والتقط الجريده..!!كانت دهشة السيده كبيرة عندما ارتسمت على وجه الصغير الجائع ابتسامة تحولت بسرعه الى قهقهات عظيمه تصدر من بين جبال الصمت التي رسخت على بنيان

الحزن المقام على وجه ذلك الصغير..

لم ياخذ الامر طويلا من التفكير لتعرف انه يجيد القراءة جيدا رغم سنه الصغير.وهذا لم يكن وحد ه الذي ادهشها..بل قدرته على التمييز بين كل مواضيع الجريده

ليتخذ طريقه الى امتعها واروعها..

 

ادركت المراءة حالا انها تقف بين يدي فنان صغير استطاع ان يرسم تلك الدهشه على وجهها الذي ظل ساكنا دهورا طويله,وادركت انها لابد لها ان تعرف المزيد عنه وعن الحال التي اوصلته الى ماهو عليه

الان..

لم تنتهي خطوات المراءة الكريمة تلك الى هذا الحد ولكني ساختصر الطريق لاصل بكم الى ما بعد مشاركته لها السكن واخذها تربيته واطعامه على عاتقها..كان ايضا قد عمل مروجا في دكانها الصغير الذي تبيع في

الكتب والقصص والكثير مما يتعلق بالادب والتاريخ مما منحه فرصة ممتازه ان يكون مثقفا رغم انه لم يرتد المدارس معنا ابدا..

 

نعم وكيف يفعل ..وكل ما فيه يدعوه لبغضنا او حتى ان يكره كل ما هو متعلق بالناس ما عداها..

نعم ..اقول ما عداها.

لقد كانت من الروعة والجمال والكرم ما يحمله دوما على ان يناديها بامي,وليس هذا وحسب بل انه كان يطلق عليها اسمها اي اسم امه ايضا ولم تكن تمانع ابدا,فلقد كانت وحيدة جدا قبل ان تاتي الاقدار به اليها

ليكون عونها وولدها الذي حلمت به طويلا..

 

السيدان اللذان كانا يعتادان زيارة السيده منذ زمن طويل لم يعاودا الظهور مجددا..كنا نعرف حكايتهم معها جيدا ..لقد كانا يريدان اجبارها على بيع دكانها ذاك وكانت ترفض دائما الا انها لم تكن تنوي الاستمرار

بالرفض طويلا,فلقد وصلت الى نهاية الحكايه وانتهت دوافعها التي تجبرها على الاحتفاظ به اكثر حتى ظهر في حياتها ذلك الفتى والذي اخذ على نفسه عهدا ان يخلصها منهم والى الابد..

ولم يأخذ الامر منه الا ضربات معقدة قوية سريعه متلاحقه سددها بخفة الى وجهيهما الكالحين…!!!

تلك كانت مفارقة ..فلم نره استعمل يداه قبل هذه المرة او حتى بعدها بطرد انسان قط او اجباره على ما يكره ابدا..

ذلك المجنون كما يحلو لامه الثانيه ان تسميه مداعبة له احيانا ,خلصها والى الابد من ذلكما القذرين ومن تعاستها ان تكون وحيدة خائفة وبدون دوافع تعينها على البقاء..

وكيف لا يفعل وقد قدمت له كل ما يحتاجه ليكون رجلا ينعم بحب امراءة كريمه تعكف على تربيته كثيرا وتجاهد في سبيل ابقاءه بعيدا عن كل ما يمنح عيناه تلك الدمعه الحزينه..

 

عاش بقرب تلك السيدة سنوات طوال ,كانت الذ ما فيها ..كان دافعها لتبقى وكانت دافعه ليكون رجلا..ولكن!!!

دوام الحال من المحال..فما كان لبشر ان يعش اكثر مما فرضه الله له..وجاء العهد المحتوم ليقضي امرا كان مفعولا..

 

ماتت..وماتت بداخله هو كل خلية حيه ما كانت لتكون لولا حبها الدافيء له..

ماتت..وما كانت لتبقى لاطول من السنين التي عاشتها لولا ما كان يدفعها لتحيا عبر حبها له ذلك المسكين الذي ما فتاء يتناسى الفراق حتى فارق اخر شخص تعود ان يبقيه انسانا..

 

ما تعود الناس ان يراه دمعة مفرده صارو يرونه بحرا من دموع..تهدلت جفونه ازاءه وتعبت عيناه من البكاء المرير المطول الذي افقده اخيرا اخر نافذة يتنفس بها ما يتمكن من حروف وكلمات تبقيه

بعالمه الخاص الذي نأى به بعيدا عن عوالم الوحوش الذي كان يحيط به..

 

من هنا بداءت النهايه..فما تعود الرجل على خسارته من حب وحنان ودوافع,لم يبقى منه اي شيء ليعينه على التقدم بالعمر مطولا..لقد كانت خطواته الى العزله القاتله هي

خطواته الاخيره الى نهايته التي اراد بشتى الطرق الوصول اليها وبسرعه..

 

في بيته لم نرى من الاثاث شيئا يذكر وما ذاك الا لانه…لا لم يبعه ,لقد وهبه كله للايتام الذين لم تفارقه ضحكاتهم ودموعهم على حد سواء منذ فارقهم..

لا تجد شيئا اكثر من الجرائد لحافا وفراشا يحمل يحمل رأسه اثناء النوم العنيد…

ولا تجد الا كرسي واحد وشمعة لم توقد ابدا ..وضعها على ورقة بيضاء الا من كلمات قليله وضعت لتكون دليل انتحاره بعد مكابدة استمرت سنوات في دروب هذه الدنيا المريره ..

 

على الكرسي كان يرقد ذلك العملاق بهمومه..كسيحا كسير الا من تلك الكلمات التي تركها ارثا بين يدي الوحوش التي لم يخطر لباله انهم هم من سيستعمرون كلماته اخيرا..!!

 

كانت تلك الكلمات تختصر كل ما فيه من تاريخ وحصادا لما مر به من اهات..

 

كانت…

(((على موائد النسيان..كثيرا ما كنت الوجبة الرئيسيه

وعلى طاولة الربح والخساره..كنت الخاسر الوحيد بلا منازع وما اربحه اربحه فتيلا اشعل به جحيم حياتي…)))