ذكريات حقيقية بين عوالم وهميه

ثائر الشيخ

 

سيدتي..

عميقاً في الذاكره..وبين أكوام الأماني الضالة     وفي حارة ضيقة جدا تدعى النسيان…جلت بخواطري المتهورة لأبحث عن شيْ من الماضي..شيْ صار بعيداً..بعيداً جداً في الذاكرة ..

وفي تلك الحارة السوداء    وعندما تعبتُ من كثرةِ ما جالت خواطري   بين شخوص تلك الحاره   دعوتُ نفسي لآخذ  قسطاً من الراحة عند محطة صغيرة تدعى الشباب..

ثـــائـــر الـشــــيــخ

وفي تلك الحارة بالذات    وجدت ضالتي عن غير قصد ولا عمد….!!

 

كانت ضالتي على شكل إمرأة صغيرة   تداعب قصائبها الرياح  وتعزف الشمس على لون عينيها  أحلى الألحان..

لم اعد اعرف كيف أتصرف…! فلو أراد الله لي أن اعلم يوما أنني سوف أعود لشبابي قبل عشرين سنة لما كفتني كل تلك السنين لأعرف احكم طريقة ادعوني للتصرف بها في مثل هذه الحاله…..!!

 

عليَ أولا أن انسحب تدريجيا وعلى غير بطىء ودون أن اشعر الحاضرين بذلك  خشية أن يمسكوا بي أو بالأحرى يتمسكوا بي.. فكلهم أناس وشخوص لم التقي بهم منذ أكثر من عشرين سنة مضت . . وكلهم يشدهم الشوق مثلي لاحتضان الذاكرة والتمرغ بتراب سنيها العذب..

من بعيد كنت أراقب تلك المرأة  التي محاها الزمن حيث سافرت مفطومة من هذه الحياة..ولولا أني اشعر وأتحسس ببرودة المكان القارصة لقلت إنني احلم أو إنني في حالة لا اعرف كيف سأتمكن من وصفها..!! في الأرجح   أنا في حالة لا شبيه لها أبدا….

استدركت بعيناي     وأثناء انسحابي نحو تلك الفتاة التي كانت ترقبني بصمت…صمت مزق صفحاته صوت النادل  وهو يسقط من الأواني بعد أن اصطدمت به دون أن انتبه لوجوده لشدة خوفي من أن يلاحظني احد فاسقط في المحضور الذي صار واقعاً وعليَ إزاءهُ أن أأقلم نفسي للتعامل معه..

استدار الحاضرون الذين كانوا في تلك المحطة…وقد خلت في لحظه أنهم سوف يرتمون رميا عليّ من لهفتهم للقائي فأخذت ارسم ابتسامة كبيره لمجرد تخيلي للمنظر وكيف سيعتصرني ذلك الملاء من حرقة اللقاء…

ما هي إلا ثواني معدودات حتى اختفت الابتسامة وعلت وجهي نظرة استغراب  وعلامة استفهام كبيره من هذا الذي أراه..فالكل عاود موضعه وكأن شيئا لا يعنيهم..

كان البعض منهم غاضبا جدا من تلك الحركة الاهتزازية التي مزقت ستار سكونهم والهدوء والدعة التي كانوا ينعمون بها ..ومنهم من أبدى الوعيد بحركة دلت على ذلك  وتحذير من التكرار…

لكن لا…كيف يحدث أنهم لم يتعرفوا عليَّ فانا كنت صديقا لمعضمهم وبمعنى الكلمه    ولقد ظننت طوال تلك السنين أنهم لن ينسوني حتى لو اختفيت أو حتى لو ماتوا…!!

الذي يحصل الآن لا يدل على ذلك بتاتاً..؟؟

ترى هل أنا في تاريخ لم أتعرف به عليهم بعد…؟؟

عليَ أن أقع على تاريخ تلك الصحيفة التي يمسك بها ذلك الشخص الذي يجلس أمامي بالضبط  ملقيا ظهره إلي ولا اخالني قد رأيته التفت إلي مطلقا …كان يرتدي معطفا طويلا ولفافاً اسود من الصوف وفي يده سيجارة طويلة تنبعث منها رائحة لذيذه كرائحة السجائر التي كنت أدخنها أيام ذاك قبل ان أصاب بالسرطان منذ عشر سنين..

لم استطع أن امرر انفي بين الرجل وصحيفته  .. وباءت  كل محاولاتي بالفشل     وكنت قلقا من حركاتي الاهتزازية التي باتت محط قلق الآخرين وتساؤلهم  فقررت أن اتخذ طريقي باتجاه الرجل لأسأله عن التاريخ …

ما إن وصلت حتى وجدته يثبت نظراته إلى تلك المرأه التي عرفتها من سنين عديدة   وعلى مايبدو أنها كانت ترمقه بنفس النظرات التي ظننتها لي في البدايه…

ما همني من ذاك   فالأجدر بي أن استقر على تاريخ واضح المعالم محدد لأعلم ماذا سيمكنني أن افعل..؟

أيها الرجل الكريم…هي..أنت سيدي…رجاءا…هل لك أن تلتفت رجاءا نحوي فانا رجل غريب وأريد ان اسئلك عن ……ال….!!!!!!!

يال الغرابه..!!

يال الاعجوبه..!!

انه يشبهني تماما  بل انه أنا نفسي قبل عشرين سنة مضت, بسجائري وملابسي وحتى فتاتي وتصرفاتي ,حتى انه قد تجاهلني أي تجاهلتني أي إني .؟أو انه..!!

لقد كان فضاً سمجا كما كنت دائما أيام ذاك..تلك السماجة التي أطاحت بحبيبتي التي عادت أمامي الآن وما عادت..

لم يعبئ حتى بالالتفات إلي من جديد   بل انه أخذها واختفيا هما الاثنين  أي حنان وأنا (أي هو) …؟؟     وأما أنا    فقد توجهت إلى التواليت   فنظرت بسرعة إلى المرآة  فوجدت أن لا شيء تغير عما كان عليه وأنا في الخمسين حينما جئت إلى هذه المحطة , فلا غرابة أن لا يعرفني احد  ممن كانوا أصدقائي في الثلاثين ..ولا غرابة أن لا أعرف نفسي أنا نفسي ….!

لقد دعتني أوصالي لارتاح من هذا الظرف الطارئ الذي أعانيه الآن   فسقطت دون أن ادري بلا وعي ولا شعور  وبدون أن أقوى على مغادرة المكان أو حتى ابرح الأرض قليلا…

وفجـــــــــــأه..!؟

فتحت عيني   فوجدتني بين ذراعاي .. أي بين ذراعا ذلك الشاب الذي كنته وقت ذاك    فخفت وانتبهت رغم دهشتي  إلا أنني لم آت ببنت شفة   واستقرت عيناي على نفسي وقال نفسي لنفسه…لو قدر الله لي أن ابلغ عمرك لأسقط سقطتك هذه أيها الشيخ   لسألت الله أن يقبضني أليه   فورا وفي الحال..

كان هذا ما أخافه أيام ذاك,    الشيخوخة والهرم اللذان صارا يزحفان عليَّ زحفا حتى اهترأت وأصابتني رياح السنوات الطويلة وشتاء العمر البارد..

صلبت طولي من جديد وشكرتني على المساعدة  ودعوت لي بالعافية   وودعني الشاب الذي كنته أيام الثلاثين بعد أن أجلسني على أريكة مريحة وطلب لي فنجان كبير من القهوة المرة الدافئة..

بعد ذلك خرج وتركني فقدحت سيجارة رغم أن الطبيب قد منعني منها   فصرت اخذ الأنفاس السريعة منها  وأنا  مثبت نظري نحوي ونحو تلك المرأة التي أحببتها عمري كله..

فرأيت اللحظة الأولى التي التقيتها  فيها أمام عيناي للمرة الثانيه     ورأيتني اكلمها لأول مرة عندما كنت شاباً      وكيف كنت أبدو  آن ذاك     وكيف هي كانت تبدو وقتها…

كل تلك اللحظات التي كنت ازويها  في حارة النسيان,  عادت من جديد…

عادت عندما طرقت باب الذكريات وجاء زائري ليحط بترحاله الطويل عندي    وياله من زائر كريم يغدق عليَّ بكل تلك المشاعر التي فارقتني منذ زمن….

مشاعر افتقدتها منذ سنين عديدة..مشاعر بعثت من جديد على يد هذا الزائر الذي يدعى الحب..

الحب الذي أكنه  لك  من غير أن أراك  ,فلا أعرفك إلا أنني أصدقك…

ومن غير أن أتحدث معك..غير إنني أومن  بوعودك كلها…

فقري عينا يا ذكريات   وعش أنت أيها الزائر  الكريم    الجديد القديم معيَّ لحظات بعثي..

 

لقد صرت مؤمنا أن القدر

يعود مرتين..وثلاثاً..

وأنَ الحبَ…ليسَ مره..

 

بل هوَ…ولا مره…