وردة

سليم عوض عيشان ( علاونه )

 

مقدمة لا بد منها :

لا تظنوا أيها السادة بأن أحداث هذا العمل هي أحداُث مفتعلة .. أو أنها محض خيال ، بل هي من واقع الحياة .. والتي تفوق الخيال .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( وردة )

 

ثارت الثائرة ، قامت القيامة ، زمجر الجميع وهدروا ، صخبوا وعربدوا ، صاحوا بصوت واحد :

” القتل .. ليس لها سوى القتل ” .

انبرى الأخ الأصغر مزمجراً وسط كومة من الحجارة :

– ليس لها إلا الرجم .. فللزانية حكم الرجم حتى الموت .

هدر الأخ الأوسط وهو يهز السلاح الأبيض بين يديه ..

– القتل .. ليس لها إلا القتل .. بخنجري هذا .

هدر الأخ الأكبر وهو يضغط على أسنانه بعصبية .. ويقبض بقوة وعصبية على سلاحه الأتوماتيكي :

– ليس هذا ولا ذاك .. فأنا سأكفيكم مؤونة غسل العار بسلاحي هذا .. بدفعة رصاص من هذا الرشاش .

دارت الفتاة من حولهم ببلاهة .. وبحركات ساذجة .. راحت تضحك .. تقهقه .. تتمايل .. ترقص ؟. تغني .. تلاطف هذا ، تمازح ذاك ، تداعب الثالث .. ظنت بأنهم يلعبون لعبة جديدة ؟! .. راحت تصفق بيديها ، تغني ، ترقص ، نهرها الأصغر بغلظة ، لطمها الأوسط بقسوة ، وصفعها الأكبر بقوة ، ظنت أن هذه الحركات هي أصول اللعبة الجديدة ؟؟!! ضحكت من جديد ، قهقهت حتى استلقت على قفاها .. نهضت .. تمايلت .. وراحت ترقص من جديد .

جذبت الأصغر من ” بنطاله ” ، .. الأوسط من ثوبه .. والأكبر من ياقته الممزقة ، حاولت أن تجعلهم يشاركونها الرقص .. أن يشاركوها اللعبة الجديدة .. أن يشاركوها الغناء والتصفيق .

الفتاة .. اسمها ” وردة ” .. وهي كالوردة فعلاً .. جمالاً .. رقة .. ورعة .. جاذبية .. حسناً ، ويبدو بأن كل صفات الجمال قد تمثلت فيها .

” وردة ” .. لم تكن قد أكملت ربيعها السادس عشر بعد .

” وردة ” .. لم تكن تعرف القراءة ولا الكتابة ، فهي لم تذهب للمدرسة حتى وهي طفلة صغيرة .

” وردة ” .. هي الأنثى الوحيدة من بين أربعة ذكور .

” وردة ” .. كانت مضرب المثل في الحيّ لجمالها الرائع ، وحسنها البديع .

” وردة ” كانت ذات جمال فريد آسر .. خلاب .. جذاب ..

” وردة ” .. لم تكن تعي ما يدور حولها .. لم تكن تحادث أحداً ..

كانت تكتفي بما يشبه الغناء .. ما يشبه الرقص .. وما يشبه الحديث .

” وردة ” .. كانت ” بكماء ” .. فلقد أصيبت بمرض ما وهي طفلة صغيرة .. لعلها الحمى الشوكية .. أو لعلها التهاب السحايا .

نتائج المرض كانت بسيطة بالنسبة لذويها فهم بسطاء بطبيعتهم .. وبسيطة بالنسبة لها .. لأنها لم تكن تدرك وقتها حجم الكارثة .. .

” وردة ” .. أصيبت بالصمم .. فأصبحت بكماء … بكماء وصماء .. ويبدو بأن شيئاً ما قد أصاب عقلها .. ولحسن الحظ أنها لم تصبح عمياء ..

” وردة ” .. رغم ذلك كله كانت جميلة .. رائعة الجمال .. بديعة الحسن والصورة .

أبواها كانا يعملان أجيرين في أحد حقول ” الباشا ” .. صاحب الحقول الشاسعة والبيارات الواسعة .

الأبناء الثلاثة أيضاً كانوا يعملون كـ ” خدم ” في بيارات ” الباشا ” .. هم لم يتعلموا .. لم يذهبوا للمدارس حتى وهم أطفال صغار ، رغم أنهم لم يصابوا بالصمم ولم يصابوا بالبكم ، ولكنهم اختاروا الطريق الأسهل .. الأقصر .

الابن الرابع .. الأكبر ، اختار ركوب الصعب .. اختار الطريق الأصعب .. الأطول .. اختار طريق العلم ، فكان العاقل الوحيد بينهم ، كان الحكيم الوحيد بينهم ، وكان المتعلم الوحيد أيضاً .

أنهى دراسته في القانون حديثاً ، التحق بمكتب أحد المحامين المشهورين لإكمال فترة التدريب العملي والتي سوف تؤهله للعمل كمحامٍ مستقل لاحقاً ، أطلق عليه الجميع لقب ” الأستاذ ” .. ” العاقل ” .. ” الحكيم ” .

” وردة ” كانت تقضي الوقت وحيدة في المنزل الخلوي الموحش ، بعد أن يخرج الجميع لأعمالهم . ” وردة ” تقضي الوقت في البيت بالرقص والغناء والضحك .

ثارت الثائرة ، قامت القيامة ، زمجر الجميع مهددين ” وردة ” بالقتل ، وها هو شاهد الجريمة قد تجسد أمام الجميع كحقيقة واقعة ، البطن المنتفخ ؟! .. الأمر كان مجرد شك في البداية ، لم يلبث أن أصبح يقيناً .. ” وردة ” حامل ؟! .. وقد تأكد الجميع من ذلك .. فالبطن ينتفخ كل يوم بشكل أكبر مما قبل .. الأم بدورها فحصت ” وردة ” .. وتأكدت بأنها حامل فعلاً .. وأكدت للجميع ذلك .

” القابلة القانونية ” أكدت ذلك للجميع أيضاً .. ونصحت بعمل التحاليل اللازمة في المختبر الطبي القريب ..

المختبر الطبي أكد ذلك .. وبشهادة موثقة ومعتمدة بذلك .. كان صاحب المختبر يبتسم ابتسامة عريضة وهو يقدم الشهادة الموثقة والمؤكدة للحمل لذوي الفتاة ، ويقدم لهم كلمات التهنئة بالحمل ؟؟!! .. لم يكن يدري بأنه كان يقدم لهم شهادة الوفاة .. ودليل الإدانة الدامغ .. وصك الإعدام .

اجتمعوا حول الفريسة .. تحلقوا حولها من كل جانب .. أحدهم يحمل حجراً كبيراً .. الآخر يحمل خنجراً مخيفاً .. ويحمل الثالث سلاحه الأتوماتيكي الرهيب . الأم والأب اكتفيا بنظرات الغضب والحقد والزمجرة وسيل اللعنات .. و ” وردة ” تقف بين الجميع وهي تبتسم .. تضحك .. تغني .. وترقص ؟! .

راحوا يتشاورون .. ويتداولون في الأمر .. يحاولون اختيار نوع الميتة لـ ” وردة ” ؟!

أقبل الأستاذ .. العاقل .. الحكيم .. حاول تهدئة الجميع .. على الأقل لكي يعرفوا أمراً غاب عنهم جميعاً .. حتى يعرفوا من هو الفاعل .. ؟؟ من الذي اقترف الفعلة الشنعاء .. مع الطفلة البلهاء ..

هدأ الجميع قليلاً .. ورغم ذلك ظلوا يزمجرون .. يهدرون .. يهددون ويتوعدون .

استدرج الأستاذ .. العاقل .. الحكيم .. استدرج ” وردة ” لكي يعرف منها شخصية الفاعل الآثم .. واستعمل كل ما لديه من علم وتعلم ، وبعض المعرفة بمبادئ لغة الإشارة التي يستعملها الصم والبكم ..وما لديه من تجارب سابقة في التعامل مع شقيقته .. في النهاية .. فهم منها وبصعوبة بأن الفاعل هو .. ابن عمها ؟؟!! .. ابن عمهم .. فهم منها بأنه كان يمارس معها فعلته الشنيعة مستغلاً فرصة وجودها في البيت وحيدة لاقتراف جريمته الشنعاء ولعدة مرات .

وقع الأمر على الجميع وقوع الصاعقة ، زاد الصخب والضجيج .. ارتفع الهدير والزفير .. قاموا على الفور باستدعاء ابن العم .. أوهمه الحكيم بأنهم يريدونه لأمر هام .. لم يتطرق لأمر ” وردة ” .. حضر ابن العم سريعاً .. التف الجميع من حوله هادرين مزمجرين .. وعيونهم تقدح شرراً .. أحدهم يحمل حجراً .. الآخر يحمل خنجراً .. والثالث يحمل سلاحه الأتوماتيكي الفتاك …

الأستاذ .. العاقل .. الحكيم .. تدخل في الأمر .. منع الجميع من الاقتراب من ابن عمهم .. أمر الجميع بالابتعاد عن الشاب .. كان يريد أن ينهي الموقف بهدوء .. بدون صخب أو ضوضاء .. فهم في غنىً عن الفضائح .. امتثلوا له على مضض .. أمر بإحضار ” وردة ” .. احضروها على الفور .. تحدث معها بلغة الإشارة .. على مرأىً ومشهدٍ من ابن العم .. أكدت له بأن الشاب .. ابن العم .. هو الفاعل .. حاول الشاب نفي التهمة عن نفسه .. ضيق عليه الخناق .. أخيراً .. اعترف الشاب بالواقعة .. اندفع الشباب نحوه هادرين مزمجرين يحاولون الفتك به .. منعهم الأستاذ .. العاقل .. الحكيم .. .

قرر الحكيم أن يلجأ إلى العقل .. إلى المنطق .. راح يحاول إقناع ابن العم بضرورة تصحيح الخطأ الحاصل .. بعد أن ثبت عليه الجرم المشهود .. راح يستعمل كل وسائل الإقناع ليقنع ابن العم بضرورة تعديل المسار . وتصويب الخطأ .. أفهمه بأن الحل الأمثل للمعضلة هو أن يتزوج من الفتاة .. ” وردة ” لأنه من ارتكب الخطأ .. وهو من يستطيع التصويب والتصحيح .. خاصة وأنها ابنة عمه .. من دمه ولحمه .. وعرض عليه أن لا يقوم بدفع أي مبلغ مهراً للفتاة .. وأن يتكفل العاقل والعائلة بالأمر .. وكل المصاريف .. وعلى نفقتهم الخاصة .

وافق ابن العم على الاقتراح .. وعد الجميع بالحضور مساء اليوم التالي ، برفقة أبيه وذويه لطلب يد ” وردة ” بشكل رسمي للزواج منها ، أقسم بأغلظ الأيمان بأنه سوف يفعل ذلك غداً بعد أن أظهر الندم الشديد على فعلته .. وبعد أن أيد القول بدموع منهمرة كالمطر .

في مساء الغد ، لم يأت الشاب .. بحث الجميع في الأمر ، اكتشفوا بان الفاعل قد فر من المدينة في الليلة الماضية .. وفر من المنطقة بالكامل إلى منطقة بعيدة جداً يصعب الوصول إليها .. وتركهم يتخبطون ويقاسون نتائج ما اقترف من إثم .

جن جنون الجميع .. اندفع حامل الحجر نحو ” وردة ” .. يسابقه حامل الخنجر .. ويسابقهم جميعاً حامل السلاح الأتوماتيكي .. يريدون الفتك بها .. وغسل العار الذي لحق بهم جميعاً .

سارع الأستاذ .. العاقل .. الحكيم .. وراح يمنع الجميع من تحقيق مأربهم .. اندفع نحو ” وردة ” .. راح يحميها بجسده .. يحول بينهم وبين الوصول إليها .. استطاع بالكاد السيطرة على الموقف ، أبعدهم عنها بعد عناء شديد .. احتضن ” وردة ” إلى صدره .. إلى قلبه .. راح يبكي بحرقة .. بلل وجهه ووجهها بالدموع .. ” وردة ” .. بدورها .. كانت تغني .. ترقص .. تصفق .. للعبة الجديدة ؟؟!! .

أبعدهم ” الحكيم ” عنها .. أمسك بيدها .. بعد أن أبعد عنها الخطر ، خرجا سوية من المنزل ، رافقها حتى خرجا من الحيّ ..

قبل مغادرة الحيّ .. كان يعرج على محلات البقالة .. الحلويات .. المكسرات .. الفواكه .. يشتري لها ما طلبت وما لم تطلب .. يواسيها .. يهدهدها .. يطعمها بيده .. يربت على رأسها ووجهها بحنان بالغ .. فتأكل ” وردة ” كل ما يقدمه لها وهي تغني .. ترقص .. وتنهال عليه بالقبلات المتتالية .

في الصباح الباكر ، كانت ” راعية الأغنام ” تقود الشياه والأغنام إلى المكان الخلوي المقفر .. لتبدأ من هناك رحلة يوم طويل من الشقاء والعناء في رعي الغنم .

تنبهت على أصوات مجموعة من الكلاب الضالة ، وهي تتصارع فيما بينها بقسوة وضراوة .. تتحلق حول فريستها وتنهشها بوحشية .. .

دققت ” راعية الأغنام ” النظر إلى الفريسة .. بهتت .. جحظت .. صعقت .. لم تكن الفريسة سوى جثة فتاة بارعة الجمال مقطعة الأوصال ؟؟؟!!! .