أدركني يا أبي

سليم عوض عيشان ( علاونة )

 

إهداء : إلى الفتاة التي حدثتني بحكايتها .. وطلبت مني أن أقوم بنشرها .. لكي تكون بمثابة جرس تنبيه لكل الآباء .. فهل من متعظ ؟؟؟ .

—————————

تنويه : شخوص وأحداث النص .. حقيقية .. ولا فضل للكاتب على النص .. سوى الصياغة الأدبية فحسب .

 

(( .. أدركني يا أبي ))

 

بالله عليك أن تدركني … أدركني يا أبي … فأنا أضيع .. أغرق .. أموت .. فهلا أدركتني يا أبي .. وهلا أنقذتني ..

هل ما زلت تظن بأنني ما زلت طفلة صغيرة .. ألهو وأمرح ببراءة الطفولة ؟؟ .. هل تظن بأنني ما زلت تلك الطفلة الغضة البريئة ؟؟ … هل ما زلت تعتقد بأنني ما زلت تلك الطفلة التي لا يعنيها سوى اللهو والمرح .. واللعب والضحك … العبث والانطلاق ؟؟ .

كلا يا أبتِ .. فأنا قد تعديت قد تعديت مرحلة الطفولة التي تعتقد بأنني قد توقفت عندها .. واجتزت مرحلة المراهقة الحرجة .. بل لعلني الآن في المراحل الأخيرة من تلك الفترة الحرجة .. كل هذا ولم تكن تدري بي .. ولا تشعر ولا تحس بما حدث لي ؟؟ ..

فأنا لم أعد تلك الطفلة البريئة الغضة .. بعد أن تكور صدري .. واستدار جسدي .. وبعد أن دخلت عالم النساء .

هذا وذاك كله لم يعنيك .. لم تحس به .. ولم تشعر به ؟؟!! .

أنا لم أعد تلك الطفلة الغضة البريئة بعد أن أصبحت حطاًُ لأنظار ومطمع العيون الجريئة والوقحة على حدٍ سواء … التي كانت تقوم بمسح جسدي من قمة رأسي وحتى أخمص قدميّ … بينما أصحاب تلك العيون يبتسمون ابتسامة الذئب الذي يترصد الحمل الوديع .

لقد أصبحت الطفلة تحمل جسد امرأة ناضجة تستهوي الشباب وتستميل الرجال وتدير رأس الشيوخ … وأنت لا تدري بي .. لا تحس ولا تشعر بما يدور من حولي .. وما يحدث لي .

كل هذا يحدث للطفلة البريئة التي كانت تعتقد بأن البراءة تحيط بها من كل حدب وصوب .. لأنها كانت تنظر للجميع بعين البراءة والطهر .

لو اقتصر الأمر على مثل هذا لكان الأمر هيناً .. ولكن الأمر أغرب من هذا وذاك .. وأبعد عمقاً .. وأنت لا تدري يا أبي … ولا تشعر ؟؟!! .

إن الخطر يأتيني من المصدر الذي لم تتوقعه أبداً .. ولم أكن لأتوقعه بدوري أيضا .

إن مصدر الخطر يأتيني من أمي ؟؟!! .. نعم من أمي ولا تعجب يا أبي … أمي التي هي زوجتك .. على وجه الدقة والتحديد .

يوم أن تزوجت منها يا أبي لم تدرك الأبعاد العميقة التي سوف تحدث في المستقبل .. أنا لا أعترض على زواجك منها بالمطلق .. فأنا لا أعطل تشريعا سماوياً .. ولكن كان يجب عليك أن تختار الزوجة لك .. والأم لنا .. وخاصة لي …

أنت اخترتها لجمالها وجاذبيتها .. ولم تخترها لدينها .. أو خلقها .. .

لست أدري كيف أشرح لك الأمر يا أبي .. ولا كيف سأوضح لك الأمر .. لست ادري .

فأنا لم أكن لأتوقع في يوم من الأيام أن تمارس الأم .. أي أم .. أن تمارس كل صنوف وألوان العذاب والإهانة ضد ابنتها .. الطفلة .. لا لشيء .. إلا لكي تكرهها على ترك دينها .. الإسلام الحنيف .. واتباع ملة وديانة الأم ؟؟!! .

أهٍ يا أبتِ لو تعرف كم أكابد من آلام جسام .. ومن عذاب نفسي حاد .. وما أتعرض له من صنوف الممارسات الغريبة .. التي تمارسها زوجتك .. أمي .. عليّ لكي أحيد .. لكي أميل .. إلى الديانة التي تعتنقها هي .. وترك ديانتي .

لست أدري متى ستصحو يا أبي من سبات نومك العميق ؟؟.. ومتى ستفيق وتصحو على الواقع الذي تعيشه ابنتك .. الطفلة الكبيرة .. المرأة الصغيرة …

أرجو أن تدركني يا أبي قبل أن أسقط في مهاوي الردى .. قبل أن أضعف .. قبل أن أستسلم .. قبل أن أغرق .. قبل أن أنتهي .

مما زاد الطين بلة .. تلك العيون الوقحة التي تحيط بي من كل حدب وصوب .. تطاردني بقسوة ووحشية .. وكأنها عيون الذئاب المفترسة التي ستغرسها في ثنايا جسد الحمل الوديع .. في ثنايا جسدي الطفولي .. النسائي .

آهٍ يا أبي لو كنت تدري كم أصبحت مطمعاً للذئاب البشرية التي تحيط بي من كل جانب .. تحاول اصطيادي بشتى الوسائل وكافة الطرق .. .. تحاول الإيقاع بي في شباكها .. تحت ستار الحب مرة .. وتحت ستار الشفقة تارة .. وتحت ستار الهيمنة تارة أخرى .

الذئاب البشرية تدرك جيداً بأنك في بلهنية من أمرك عني .. وتعرف بأن جل تفكيرك .. وكل اهتمامك منصباً في إرضاء زوجتك الجميلة .. وأن كل وقتك تنفقه وتبذله من أجل توفير المتطلبات التي لا تنتهي لتلك الزوجة المتصابية دوماً .

لم يعد لك من فرصة .. من وقت … لكي تهتم بي .. كطفلة .. كأنثى … كصبية .. كامرأة صغيرة .. تتفجر أنوثتها وتصرخ بشدة .

كم حاولت أن اقترب منك .. أن أتقرب إليك .. أن أشكو إليك .. أن أجعلك تشاركني همومي .. أن تخفف عني .. أن تقف إلى جانبي … أن تساعدني .. ولكن .. لا حياة لمن تنادي .. فأنت لا تأبه بي .. ولا تلتفت لما يعتمل في صدري وقلبي .. .. وما أعانيه وأكابده من هٍموم وويلات جسام .

أبي … لتستمع لي جيدا يا أبي ..هذا هو النداء الأخير .. النداء الأخير الذي توجهه سفينة نفسي .. قلبي وروحي .. وجسدي .. توجهه لك بطلب النجدة قبل فوات الأوان .. وقبل أن تغرق السفينة .. وقبل أن يرفع القبطان راية الاستسلام .. قبل أن أستسلم .. قبل أن أسقط .. قبل أن أحيد عن الطريق القويم .. قبل أن أفقد السيطرة وأحيد عن التمسك بديني .. وخلقي .. وشرفي …. قبل أن تلتهمني الذئاب البشرية .

أبي … أرجوك .. أتوسل إليك أن تسمع ندائي الأخير .. وقبل أن أغرق .. إلى الأبد .. عندها .. عندها فقط ..سوف تندم كثيراً .. وعندها فقط .. لن ينفع الندم .. لأن السفينة تكون قد غرقت .. فهل تدركني يا أبي ؟؟؟.

===============

انتهى النص ..

ولكن …

ولكي تكتمل الدراما والمأساة .. أبى القدر إلا أن يضع النهاية للنص بالطريقة والكيفية التي يراها القدر .. وليس بالكيفية التي أرادها كاتب النص ..

فبعد انتهاء كاتب النص من عمله الأدبي .. وقبل قيامه بالنشر .. تدخل القدر لكي يضع النهاية ..

فلقد اتصلت بي بطلة النص .. صاحبة المأساة الحقيقية .. لكي تعلمني وهي تبكي .. بالمفاجأة التي حدثت ..

وسوف أنقل هنا بأمانة وإخلاص نص محادثتها لي حرفيا :

عمو …

بابا ماااات

الله يرحمو

عمو خديجة تحطمت بعد وفاة بابا صرت كرهانة حالي عمو ضليت لوحدي ماما وعيلتها طامعين فلورت و مشاكل للموت اووووف الله لا يوريك انا فشو عايشة ولا شو حوليا ..

==================

هذه هي رسالة بطلة النص .. صاحبة النص .. ولقد تعمدت بدوري أن لا أقوم بإخفاء اسمها كما ورد على لسانها ..

ولكني هنا أحس بأن لسان حالها يقول :

أبي .. أبي .. لماذا تخليت عني يا أبي ..؟؟ لماذا تخليت عني .. في أصعب الأوقات .. وأحرج الظروف .. في الوقت والظرف الذي أنا بحاجة كبيرة لك فيها .. لكي تتواجد إلي جانبي ..

.. أبي .. لماذا تخليت عني يا أبي .. لماذا تركتني وحدي ؟؟!! .

—————————

( انتهى النص .. بالكيفية التي أرادها القدر .. ولكن المأساة لم تنتهي )