أم فخري

سليم عوض عيشان ( علاونة )

غزة الصمود والمحبة

=====================

” أم فخري “

مقدمة :

صادف يوم الثلاثاء الموافق 15/5/2012م الذكرى الرابعة والستين للنكبة ( نكبة فلسطين )

 

إهداء متواضع :

مهداة بتواضع إلى روح المرحومة ” أم فخري ” ..

ابنة مدينتي الحبيبة ” حيفا ” .

وإلى كل ” أم فخري ” في الشتات والمنافي .. وفي الوطن الغالي ..

وإلى ” حيفا ” السليبة … ” مسقط رأسي ” … التي ما زلت أحياها وتحياني .. أتنفسها وتتنفسني .

 

** … إلى كل من طلب مني أن أكتب عن ” حيفا ” .. وعن ” النكبة ” … ووعدتهم أن أكتب .. فهل تراني قد وفيت ؟؟!! … وهل تراني قد كتبت ؟؟!!

 

تنويه :

الأحداث والشخوص حقيقية حدثت على أرض الواقع .. ولا فضل للكاتب على النص سوى الصياغة الأدبية فحسب .

===================

 

( أم فخري )

 

” أم فخري ” .. نعم .. هي ” أم فخري ” .. فأنا أعرفها جيداً .. كانت تعيش وحيدة في منزلها المتواضع بالقرية .. ورغم أن اسمها ” أم فخري ” .. إلا أنه لم يكن هناك ” أبو فخري ” .. ولم يكن هناك ” فخري ” أيضاًً ؟! .

البعض في القرية كان يطلق عليها لقب ” المدنية ” .. أو ” الحضرية ” .. لأنها ليست من نساء القرية أصلاً .. ولأنها كانت تسكن المدينة في يوم من الأيام .. قبل قدومها إلى القرية .

” أم فخري ” لم تكن تلبس الزيّ ” الفلاحي ” أسوة بنساء وفتيات القرية ، ولا تتحدث باللهجة القروية كنساء القرية وأهلها .

قبل حضورها إلى القرية ، وقبل ” النكبة ” بسنوات .. كانت المرأة تعيش في مدينة ” حيفا ” .. تزوجت هناك .. من شاب ” حيفاوي ” .. ثم أنجبت ابنها الوحيد ” فخري ” .

عام ” النكبة ” سنة 1948م كان بالنسبة لها تاريخاً أسوداً بالفعل وبكل المقاييس ، كما هو الحال بالنسبة للكثيرين من أبناء فلسطين .. بل لكافة أبناء فلسطين على حدٍ سواء .

في ذلك العام .. وقبيل طرد العرب الفلسطينيين من حيفا وفلسطين ، وذلك بعد قتل العديد منهم والتنكيل بهم .. فقدت ” أم فخري ” زوجها الشاب .. قتله جنود العدو .. لأنه كان يحمل بندقية ويحارب بها العدو .. ويدافع عن وطنه فلسطين وعن مدينته ” حيفا ” ، وعن زوجته ” أم فخري ” .

عندما علمت باستشهاده .. غادرت المنزل مهرولة إلى حيث الموقعة .. رأته وقد سقط شهيداً وسط بركة من الدماء .. ووسط مجموعة من جثث المجاهدين .. لم تبك .. لم تصرخ .. لم تولول .

خلصت البندقية من بين يديه .. واندفعت تبحث عن جنود العدو لكي تقوم بالثأر لمقتل زوجها والآخرين .

رأت أحدهم عن بعد .. أخذت وضع الاستعداد للضرب .. كما علمها زوجها ” أبو فخري ” قبل استشهاده … صوبت البندقية نحو صدر الجندي اللعين .. كما دربها زوجها ” أبو فخري ” قبل استشهاده .. أطلقت الرصاصة بقوة وعزم نحو القلب تماماً كما علمها زوجها ” أبو فخري ” قبل استشهاده .

أصابت رصاصتها من الجندي مقتلاً .. جندلته .. في تلك اللحظة التي كان يتهاوى فيها إلى الأرض .. كانت المرأة تطلق ” زغرودة ” مدوية .. تردد صداها في جنبات السماء والأرض .. وفي نفس الآن .. كانت رصاصة غادرة تستقر في جسد ” أم فخري ” من بندقية جندي آخر ، لم تكن قد تنبهت إلى وجوده وهو يطلق النار نحوها .

سقطت المرأة مضرجة بدمائها .. .. وانشغل الجندي بإخلاء رفيقه الميت من ساحة المعركة .. وقد اعتقد جازماً بأن المرأة التي أطلق النار عليها قد ماتت .

حاولت أن تزحف لتصل حيث جثة زوجها الشهيد وجثث رفاقه .. القريبة منها بعض الشيء .. رغم الإصابة .. ورغم الدماء النازفة من جسدها .

عدد من أهل المدينة كانوا يفرون من المكان .. من المدينة ، يهيمون على وجوههم في الطرقات لا يدرون إلى أين ؟؟!! .. فالمهم عندهم أن يبتعدوا وبقدر الإمكان .. أن يبتعدوا عن مصدر الموت .. وأن يفروا من وسط المدينة .

مرت المجموعة بالقرب من ميدان المعركة .. شاهدوا الجثث المتناثرة هنا وهناك .. جثث الشهداء .. لم يكن لديهم المتسع من الوقت لكي يقوموا بواجب الدفن كما يليق بالشهداء ..ترحموا عليهم .. قرأوا الفاتحة على أرواحهم .. وضعوا عليهم بعض الأغطية .. وغادروا المكان .

قبل أن يبتعدوا عن المكان ؛ حانت من أحدهم التفاتة نحو المرأة الغارقة في دمائها .. كانت المرأة تتحرك بصعوبة وبطء .. تئن بصوت واهٍ ..

– لقد .. لقد انتقمت لك .. يا زوجي .

توقف الرجال عن السير .. تأكد لديهم بأن المرأة ما زالت حية .. اقتربوا منها .. راحت تهذي ..

– ” فخري ” .. ” فخري ” .. ولدي ” فخري ” .. أين أنت يا ولدي ؟؟!!..

قرر الرجال أن يحملوا المرأة .. رغم ما يشكله ذلك عليهم من عبء شديد ومن تأخير عن السير ، ومتابعة الهروب من المكان .

الرصاص ينهمر من حول الجميع من كل مكان .. الموت يطاردهم .. وهم يحاولون الفرار .. رغم الحمل الثقيل .

ابتعدوا قليلاً عن مركز الخطر .. وبؤرة الموت .. وصلوا ناحية الشارع الفرعي المؤدي إلى الشارع العام .

رجل وزوجته وأطفاله من سكان المدينة كانوا يستقلون سيارة كبيرة يحاولون الفرار من المكان ، توقف الرجل سائق السيارة عندما رأى تلك المجموعة ومعهم الحمل الثقيل .. كان في السيارة المتسع الكافي للجميع .. أشار لهم بالصعود إلى السيارة .. صعد الجميع .. وانطلقت السيارة بأقصى سرعة مغادرة المكان .

وأخيراً .. وصل الجميع .. وصلوا القرية .. فلقد كان الرجل سائق السيارة ينحدر أصلاً من هذه القرية ، وهو أحد أبناء عائلة معروفة فيها .

ترجل الجميع من السيارة .. ترجلت زوجته وأطفاله .. واندفعوا ناحية منزل العائلة الكبير .. وقد شعروا بالأمن والحماية بعد أن ابتعدوا بما فيه الكفاية عن موطن الخطر .

المجموعة التي كانت تستقل السيارة معهم .. شكروا السائق وهم يودعونه مغادرين .. أصر الرجل سائق السيارة إلا أن يدخلوا منزل العائلة الكبير .. للاستراحة والتقاط الأنفاس .. وتناول بعض الشيء من الطعام والشراب .. فلم يسع الجميع سوى الانصياع لإلحاح الرجل .

تعاون الجميع في إنزال المرأة المصابة.. أدخلوها حجرة من تلك الحجرات العديدة للمنزل .. التفت حولها مجموعة من النسوة .. رحن يحاولن تقديم العون والمساعدة لها .

امرأة من نساء القرية كان لديها بعض الإلمام بالإسعافات الأولية .. وبعض المعرفة بتقديم العون العلاجي والصحي والتمريضي .. هي كانت تعمل في أحد مستشفيات مدينة حيفا قبل النزوح .

جراح المرأة لم تكن بالبليغة .. أو العميقة .. فلقد كانت سطحية .. ولكن المرأة نزفت الكثير من الدماء .. حاولت المرأة الممرضة تضميد جراح المصابة بكل ما هو متاح لها من إمكانيات متواضعة بمساعدة بعض النسوة .. وأخيراً .. استعادت المرأة المصابة بعض الوعي .. راحت تتمتم :

– ” فخري ” … ” فخري ” .. ولدي .. ” فخري ” أين أنت يا ولدي ؟؟

قدمت الممرضة للمرأة المصابة بعض الشراب الدافئ .. وبعض المسكنات والأدوية المضادة للالتهابات .. وقامت بتطهير الجراح وتضميدها .. فهدأت المرأة بعض الشيء .. واستعادت شيئاً من وعيها .

راحت تتساءل عن مكان تواجدها .. أخبروها بأنها في القرية .. راحت تلح بالسؤال عن ولدها ” فخري ” .. فأخبروها بأنهم لا يعرفون عنه شيئاً .. ولم يلتقوا به .. أخبرتهم بأنها تركته نائماً في المنزل قبل خروجها من البيت لتبحث عن زوجها ” أبو فخري ” الذي وجدته شهيداً .. والذي انتقمت له بقتل الجندي اللعين .

راحت تبكي وتصرخ بألم :

– ولدي .. أريد ولدي ” فخري ” .. لم يبق لي في الحياة سواه .

راح الجميع يهدئون من روعها .. ويعلمونها بأنهم الآن على بعد عشرات الأميال من المدينة .. وأن هناك خطراً جسيماً يقع على كل من يحاول دخول المدينة .

بكت المرأة .. أنَّّت .. شهقت .

استعانت الممرضة بحقنة مهدئة .. حقنت بها السيدة التي لم تلبث أن استغرقت في نوم عميق .

عندما استيقظت المرأة .. راحت تهذي باسم ولدها من جديد.. فيحاول الجميع تهدئتها من جديد .

أخبرتهم بأنها لم تنجب سواه منذ زواجها .. وهو كل حياتها خاصة بعد استشهاد زوجها .

أخبرتهم كم هو جميل ورائع وذكي .. رغم أنه ما زال طفلاً لم يتعد الثامنة من عمره بعد .

راحوا يهونون عليها الأمر .. يواسونها .. فهدأت شيئاً فشيئاً .

… يتبع …