المرأة المسلمة

سليم عوض عيشان ( علاونه )

 

إهداء خاص … ” للمرأة المسلمة ” .. جارتنا

 

تنويه : ” المرأة المسلمة ” .. أعرفها جيداً بحكم أنها تسكن إلى جوارنا ..

وعن كثب وأعرف أبناءها

 

 

الأحداث والشخوص حقيقية .. ولا فضل للكاتب على النص .. سوى الصياغة الأدبية فحسب ..

( الكاتب )

 

 

(( المرأة المسلمة ))

هي .. فتاة جميلة .. جذابة .. طويلة .. شقراء .. زرقاء العينين .. بيضاء البشرة ..طاغية الحسن والجمال .. جمالها غربي حتى النخاع .. لم تتعد العشرين من عمرها ..

هو .. شاب أسمر البشرة .. اسود العينين .. أجعد الشعر.. طويل القامة .. عريض المنكبين .. قوي العضلات .. جماله شرقي حتى النخاع .. تعدي الثلاثين من العمر .

هي .. الابنة المدللة لصاحب العمل المليونير ..

هو .. الابن الكبر للعائلة .. والذي ترك الدراسة في المرحلة الثانوية للالتحاق بالعمل لتوفير لقمة العيش الشريف لأسرته .. كان نصيبه أن يعمل في المصنع الكبير للرجل المليونير .

الشاب كان يقتنع بما ينقده صاحب العمل من أجر متواضع في نهاية كل أسبوع .. فيوزعه بالعدل والقسطاس بين أفراد أسرته حسب احتياجاتهم ..

كان أكثر ما يحلم به هو زيادة الأجر في نهاية الأسبوع ببعض النقود نتيجة للعمل بعدة ساعات إضافية ..

لم يكن يحلم بأكثر من ذلك ..

لم يكن يحلم – مثلاً – بنظرة .. مجرد نظرة هامشية .. جانبية من صاحبة العينين الزرقاوين .

لم يكن ليجرؤ على رفع بصره إلى وجه الفتاة الهيفاء .. أو إلى قدها المياس أو إلى جمالها الطاغي .. .

كان يعرف حدود الأدب .. ويعرف حدوده جيداً .

ذات مرة .. ذاب الشاب .. تلاشى ..

حدث ذلك عندما صدحت الموسيقى العذبة ، وهي تلقي عليه بتحية الصباح باللغة التي ينطق بها .. ولكنها كانت بلكنة غريبة .. حلوة .. رائعة .. فأذابته نهائياً .. جعلته يتلاشى .

لم يصدق لحظتها بأن تحية الصباح تلك كانت له .. استكثر ذلك .. استبعده .. تلفت حوله يبحث عمت تقصده الفتاة سواه ، لم يجد من أحد إلى جانبه .. قريباً منه.. ذاب مرة أخرى .. تلاشى آلاف المرات .

كانت البداية .. هي تلك التحية .. تلك الابتسامة .. تلك النظرة ..

وكانت النهاية .. هي .. ذلك الزواج بين الشاب والفتاة .. بعد قصة حب طويلة ..

تزوجته بعد أن اقتنعت به رجلاً .. صاحب أخلاق ومبادئ ورجولة .. دين وخلق .

أسلمت على يديه.. أشهرت إسلامها طائعة مختارة .. وتنصلت من اليهودية .. في نفس مجلس عقد النكاح ..

أصبح اسمها بعد الإسلام ” عائشة ” .. وعاشت مع الشاب في المخيم الكبير .. في بيت متواضع بعد أن كانت تحيا حياة البذخ والرفاهية في قصر أبيها المنيف وسط المدينة اليهودية الصاخبة التي أقيمت على أطلال قرية عربية عريقة .

ولم يثنها عن عزمها تهديد الأب المليونير لها بحرمانها من أمواله الطائلة ..

لم تأبه به ولا بأمواله ، فلقد عرفت السعادة الحقيقية إلى جانب من تحب .. وباعتناقها الدين الإسلامي .. دين زوجها .. دين الحق الذي عوضها بحلاوته عن أموال أبيها .. وكنوز الدنيا قاطبة .

عاشت المرأة في الحيّ الشعبيّ المتواضع لسنوات وسنوات ، حسن إسلامها بشكل عظيم .. تمسكت بأهداب الدين وتعاليمه .. تركت مباهج الحياة الزائفة ، أدت الفروض كاملة ، ارتدت الزيّ الإسلامي المحتشم .. تعلمت القرآن .. حفظت الآيات والسور العديدة .. والكثير من الأحاديث النبوية الشريفة ، تخلقت بخلق القرآن الكريم .. وبأخلاق الإسلام السمح . وأنجبت طفلاً.. وطفلة ..

في الحيّ الشعبي المتواضع كانوا يطلقون عليها لقب ” المرأة المسلمة ” .. لم يحاول أحد من السكان أن يناديها بغير هذا اللقب ، لم يحاول أحد الجيران أن يذكر لفظ ” اليهودية ” على مسمع من المرأة أو على غير مسمعها ، نسي الجميع ذلك الأمر برمته ، وأصبحت ” المرأة المسلمة ” معلماً رائعاً من معالم الحيّ الإيجابية .

الطفل والطفلة التحقا بروضة أطفال .. الأطفال في الروضة كانوا يطلقون عليهما لقب ” ابن المسلمة ” و” ابنة المسلمة ” .. ولا يعرف الأطفال في الروضة أو الحيّ من تسمية أخرى لذلك الطفل .. وتلك الطفلة .

.. وكانت الحرب على غزة .. وطال لهيب الحرب كل الأماكن .. وكل الناس بلا استثناء .

أصيب الزوج مع بداية الحرب بإصابات بالغة ..

ولما اشتد سعير الحرب الأخيرة على غزة والتهب أتونها .. كانت سيارة ” الصليب الأحمر ” تقف بالقرب من باب المنزل .. منزل ” المرأة المسلمة ” ، طلب الموظف المسؤول الإذن بمقابلة ” المرأة المسلمة ” ومحادثتها .. أخبرها بأن هناك تعليمات صارمة ومشددة بإخلاء كل الأجانب من غزة ، خشية أن يطالهم القصف .. وحتى لا يكونوا عرضة للخطر .. للقتل .

أفحمته بالإجابة .. فالأمر بالإخلاء يخص الأجانب كما يقول .. وهي ليست أجنبية .. فهي مسلمة ، مقيمة في بيت زوجها وأولادها . وعليه ؛ فالقرار لا ينطبق عليها ، فمن المستحيل أن تغادر .. خاصة وأن زوجها مصابَ وشبه مقعد في المنزل ، وهو يحتاج لرعايتها وعنايتها . انتحى الموظف بها جانباً ، همس لها بأن هناك طلب خاص من أبيها وإخوانها بإخلائها فوراً من غزة وعودتها حالاً إلى المدينة الآمنة بعيداً عن الحرب والموت ، ولو استدعى الأمر بالإخلاء استعمال القوة ؟! . صرخت في وجهه بأن لا قوة في العالم تستطيع أن تجبرها على المغادرة ..

رفضت ” المرأة المسلمة ” تنفيذ الأمر بشدة ، تمسكت بموقفها .. بعدم ترك بيتها ، زوجها .. أطفالها .. حيها .. أهلها .

لم يسع الموظف والأمر كذلك سوى الانسحاب من المكان ، طلب منها أن تعطيه رقم هاتفها المحمول النقال الخاص ، لكي يتحدث رئيسه الأعلى معها .

.. في اليوم التالي ..كانت المكالمة تصل إليها .. كانت نبرات صوت المتحدث معها على الجانب الآخر بمثابة مفاجأة رهيبة بالنسبة لها !! ..لم يكن صوت موظف الصليب الأحمر الذي تحدث معها بالأمس .. ولا صوت رئيسه ، كان صوت .. والدها ؟؟!! ..حاول أن يحادثها بلطف ورقة ولين وهدوء .. طلب منها العودة .. توسل إليها .. جاءها صوته عن بعد :

– عودي يا ابنتي .. أرجوك .. أتوسل إليك .. الحرب ستطال الجميع عندكم .. ستقضي على الجميع .. نحن نعلم بأن زوجك قد أصيب بإصابات بالغة ، هو في طريقه للموت .. وعليه ، لم يعد لك من شيء .. اتركي كل شيء عودي الآن ..

.. لحظات صمت .. تمتمت بعدها :

– بل هنا لي كل شيء .. هنا بيتي .. زوجي.. أولادي .. أهلي ديني . الحقيقة بأنه لم يعد لي عندكم من شيء .. سيدي .. يبدو بأن العنوان الذي تريده خطأ .. مع السلامة .

توجهت حيث يرقد زوجها .. يعاني من إصاباته الجسيمة .. التي حاول الأطباء جهدهم علاجه بأدواتهم وإمكانياتهم المتواضعة .. وبعد أن مكث في المستشفى لعدة أيام وغادره بسبب اكتظاظ المستشفى بالمصابين بإصابات جسيمة أكثر من إصاباته ..

ضمته بحب وحنان بيد ، وضمت الطفلين باليد الأخرى ، وأخذت تبكي بحرقة ..

في اليوم التالي .. اشتد القصف الأهوج على المدينة وسائر مدن غزة .. وكانت المكالمة الأخرى ..

عرفت المتحدث من نبرة صوته أيضاً .. لم يكن والدها هذه المرة ، كان شقيقها الوحيد .. أتاها الصوت هادراً مزمجراً :

– استمعي لي جيداً .. ليس هناك أي متسع من الوقت .. أنا الآن في مهمة حربية سرية ،أنت تعلمين بأنني أعمل طياراً في سلاح الجو الإسرائيلي ، أنا الآن في مهمة لضرب هدف ، أعرف بأنني أخالف القانون الآن ، لأنني سأكشف لك السر .. الهدف هو منزلكم ، نعم .. منزل زوجك .. زوجك مخرب .. مخرب كبير ، في المرة السابقة كانت إصابته خطيرة ، كان من المفترض أن يموت .. ولقد نجا ، أما الآن فلا مجال ، فسوف أقصف المنزل فوق رأسه بقنبلة تزن طناً .. سيتم ذلك الآن .. الآن .. عليك أن تهربي.. أن تنجي بنفسك فوراً .. حالاً .. الآن .. أنا في طريقي إليكم .. لضرب الهدف .. لأقضي على زوجك المخرب .. لن يفلت من الموت هذه المرة.. .. اهربي من المكان .. الآن ..الآن ..

أسرعت ” المرأة المسلمة ” بالفرار من المكان .. فرت من المنزل بعد أن طلبت من الطفلين الخروج من المنزل بسرعة .

أسرعت بالفرار .. بينما الطفلين من حولها يسرعان بالابتعاد عن المنزل .. كانت تحاول الإسراع بقدر الإمكان بصعوبة .. لأنها كانت تحمل شيئاً ما .. تحمله مرة .. وتجرجره مرة أخرى .. الحمل ثقيل بالنسبة لامرأة مثلها .. بينما الأطفال يفرون .. يصرخون .. يبكون .

.. الوقت يمر بسرعة .. الطائرة المتوحشة تقترب من المكان .. تقترب من الهدف بسرعة ، تلقي بحمولتها الثقيلة على المنزل .. تتطاير الأشياء في كل اتجاه .

” المرأة المسلمة ” كانت قد ابتعدت بما فيه الكفاية عن المكان الذي أحيل إلى قطعة من الجحيم .. راحت تضم طفليها إلى صدرها .. إلى قلبها بقوة بيد .. تقبلهم بحنان .. وراحت تضم الحمل الثقيل باليد الأخرى إلى صدرها وقلبها .. تقبله بحب … فيبتسم لها ابتسامة باتساع الكون من خلال الغبار الكثيف .. والدموع .. والدم .