الغرب بقيادة أمريكا والحرب على الفكر المنظم

يوسف عبد العزيز العوهلي

 

منذ ما يزيد عن 90 عام، والغرب (بقيادة امريكا) يخوض حرب طويلة الأمد على الفكر المنظم، خاصة عندما يتطور هذا الفكر ليصبح في وضع قيادي لأمة أو جماعة. والمتتبع لأحداث القرن العشرين وما مضى من القرن الحالي، يجد أن جل الحروب كان أساسها القضاء على الفكر المنظّم، كون أمريكا تراه أكبر خطر يهدد بناء امبراطوريتها هو الفكر، بغض النظر عن اصله أو اهدافه. وقي القرن المنصرم، شهدنا لدى أمريكا النفس الطويل للتحالف مع فكر منظّم ضد آخر، وحين تقضي عليه، تلتفت إلى حليفها لتقضي عليه هو الأخر.

 ماهي الأفكار المنظمة؟ خلال المائة عام الماضي خاضت أمريكا (وما زالت) حروب ضد; أولاً: النازية، ومن ثم الشيوعية، وهاهي الآن تخوض حرباً طويلة النفس والأمد ضد الإسلام.

 النازية، الشيوعية، الإسلام..  هذه افكار (أو معتقدات) ليس لها حدود دولة أو عنصر بشري معيّن، فهي بالتالي لديها مقدرة الإنتشار في جميع أنحاء العالم، وهذا ما يهدد قيام وتنامي الأمبراطورية الأمريكية. وأدركت أمريكا خلال القرن الماضي أن الحرب على الفكر يجب أن تتنوع بتنوّع الفكر نفسه. فقامت الحرب العالمية الثانية وكانت نتيجتها مقتل ما يزيد عن 50 مليون إنسان، وهذا اكبرعدد فقدته البشرية منذ خلق آدم عليه السلام. ونتج عن هذه الحرب ما تريده أمريكا (والغرب عامة) موت الفكر النازي.

 خلال هذه الحرب تحالفت أمريكا مع عدوها الثاني وهو الفكر الشيوعي. إلا أن أمريكا بدأت بإعداد العدة للقضاء على الفكر الشيوعي حالما انتهت الحرب العالمية الثانية، ابتداءاً بالحرب الكورية – 5 أعوام فقط عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية – وتعلم أمريكا أن هذه الحرب سوف تكون طويلة جداً ومكلفة مادياً، لذا استخدمت استراتيجية النزيف البطيء مع الشيوعية، وكانت الحرب الكورية عبارة عن الجرح التي أرادته بداية للنزف.

 وكما هي الحال على مد التاريخ فلابد أن تظهر أخطاء فادحة خلال بناء أي امبراطورية، وعادة ما تنتج هذه الأخطاء عن الغرور الذي يصيب الإمبراطورية، وهذا فعلاً ما حصل في الحرب الفيتنامية والتي بدات 6 أعوام فقط من نهاية الحرب الكورية، إلا أن هذه الحرب استمرت 16 عام خسرت فيها أمريكا ما يقرب من 60 الف جندي، وانتصرت الشيوعية مؤقتا؛ ولكن النزيف الشيوعي بدأ يكبر والجرح يتّسع.

 ومرة أخرى أدركت أمريكا أن عليها تغيير استراتيجيتها الطويلة الأمد في حربها مع الشيوعية، لذا قامت بتغيير جذري في الاستراتيجية بحيث اخذت الحرب الاقتصادية طويلة الأمد زمام الأمر. كذلك بدات أمريكا بالتحالف مع عدوها الثالث “الإسلام” لتحقيق استراتيجيتها، فبالإضافة إلى الحرب الاقتصادية (والتي كانت تعتمد على التسلّح الفضائي الموهوم) فتحت امريكا جرح كبير في الشيوعية في جبهة أخرى، وبدأت حربها طويلة الأجل مستخدمة حليفها وعدوها الثالث ” الإسلام” ابتداءً بالحرب الأفغانية الروسية عام 1979 – 5 أعوام فقط بعد نهاية الحرب الفيتنامية – واستمرت حرب الاستنزاف هذه 10 سنوات لم تفقد فيها أمريكا جندي واحد ولم تصرف عليها دولار واحد، بل فقد فيها المسلمون مئات الآلاف، وصرف عليها المسلمون عشرات المليارات. جسدت الحرب الأفغانية قمة التخطيط الخبيث الأمريكي حيث ضربت عصفورين بحجر; الحرب الأفغانية والحرب الإقتصادية المكلفة للشيوعية قضتا على الفكر الشيوعي في بداية العقد الثامن من القرن الماضي، واستغرقت ما يزيد عن 30 عام.

 لم تغفل أمريكا (والغرب عامة) عن عدوها الكبير “الإسلام” طوال حربها على الشيوعية، وكانت تضع الخطط الطويلة الأمد منذ زمن بعيد، وأستثمرت جميع ما لديها من موارد. فاستغلت السرطان الصهيوني في وسط المنطقة العربية الإسلامية وتعلم أن هذه السرطان يمكن تنميته وتقليصة وفق الحاجة. وكانت (وما تزال) أمريكا تدرك تماماً بأن حربها على الفكر الإسلامي يجب ألا تكون حرباً اعتيادية، بل يجب توظيف كافة السبل (العسكرية، والاقتصادية، والفكرية)؛ وكذلك تدرك أن الله حبا المسلمين بشتى أنواع الموارد (الطبيعية، والبشرية، والفكرية)، وتدرك أيضاً أن عليها السيطرة، وإستنزاف تلك الموارد للقضاء على الفكر الإسلامي.

حرب العراق – إيران، وغزو العراق – للكويت، وحرب أمريكا لتحرير الكويت، وحربها القائمة في العراق وأفغانستان، وحرب الاستنزاف القائمة الآن في سوريا، والتسليح القائم الآن في اليمن استعداداً لفتح جبهة أخرى. هذه الحروب جميعها تهدف إلى استنزاف الموارد الطبيعية والتي ترى أمريكا أنها مهمة للغاية في قضاءها على الإسلام، وخاصة أن تجربة الحرب (الاقتصادية) أثبتت نجاحاها في هدم الفكر الشيوعي.

الحرب الخفية (نوعاً ما) التي تديرها أمريكا منذ قرابة 20 عام، هي الحرب الفكرية على الإسلام، والتي جندت لها من يتسمّون بالمسلمين  لخوضها، وتأتي الحرب الفكرية بشتى أنواع الوسائل؛ منها الأعلامي (القنوات الفضائية المتنوعة من محطات أم بي سي، والعربية، ونحوها) والتي لا تخفي سياستها ولا ولائها الغربيين. ومنها الفكري التعليمي الذي بداءوا بغرسة بالأجيال الجديدة لتشكيك الأجيال الجديدة بالإسلام، وتتجسد هذه الوسيلة بما نراه من نمو غير طبيعي بجلد الذات ومقارنة المسلمين بالشعوب الأخرى المتقدمة، وما يصاحبه من إحباط للأجيال الجديدة، وتهدف هذه الوسيلة إلى الوصول إلى أن الإسلام ليس بفكر حضاري.

  

وقد تستطيع أمريكا (والغرب عامة) الإنتصار والقضاء على المسلمين، ولكنها لن تستطيع القضاء على الإسلام كفكر مها فعلت.

  

يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ  

  

يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ