الثورة السورية و المصير المجهول

إبراهيم مهدي فاخر

 

في بدايات الستينيات من القرن المنصرم انطلقت شرارة ثورة في إحدى البلدان العربية و استمرت هذه الثورة حوالي عشرة أعوام حتى أصبحت من أطول الثورات العربية عمرا. قيل كانت أسباب الثورة، التخلف و الظروف الاقتصادية الرديئة و النفوذ البريطاني و المد القومي آنذاك، أدت إلى شعور المواطن بالحاجة إلى التغيير و بناء دولة جديدة. دعمت الدول العربية و بالأخص ذات الثقل السياسي الثورة و قدمت المال و السلاح و التدريب و المأوى للثوار. و على نقيض الثورة دعمت كل من ايران و بريطانيا النظام الحاكم و وقفت معه في وجه الثورة. و استمر العرب في دعمهم للثورة على نقيض ايران و دعمها للنظام، حوالي عشرة أعوام إلى أن انتهت بتخلي العرب عن الثورة و فشلها و استمرارية الدعم الإيراني و استمرارية النظام إلى الوقت الحالي.

كأنما التاريخ يعيد نفسه من جديد حتى و إن تغير اللاعبون و اختلفت الظروف.

اليوم تُعد الثورة السورية و بعد مرور سنتين من حدوثها، من أطول الثورات العربية عمرا مقارنة بين ثورات الربيع العربي و مازالت لم تحقق أهدافها الأولية. دعمتالدول العربية وبعض الدول الأجنبية الثورةو ساندتها، رغم ضعف هذا الدعم و المساعدات.و فيالجهةالمضادة للثورة السورية، دعمت كل من ايران و روسيا و الصين، الأسد و نظامه و قدمت له كل ما يحتاجه و يلزمه.

يختلف الدعم الذي تتلقاه الثورة عن الدعم الذي يتلقاه الأسد و نظامه، كما و نوعا. الدول العربية تدعم الثورة إعلاميا و سياسيا و اقتصاديا و قيل تم دعم الثورة ببعض الأسلحة الخفيفة و المتوسطة، و لكن مازال الدعم بمجمله لم يرتق للمستوى الذي يسقط النظام أو على أقل تقدير يحقق توازنا بين قوات الثوار و قوات الأسد. أما الدعم الذي يقدمه الحلف المساند للأسد يفوق الدعم العربي و (الدولي) للثورة السورية عشرات الأضعاف. هذا الحلف يدعم سياسيا و دبلوماسيا بشكل كبير لا يمكن مقارنته بالدعم المُقدم للثورة. يمنع هذا الحلف إصدار أي قرار في مجلس الأمن طالمالم يحقق مصالحه.و يتدخل في كل مبادرة أو خطة لتحقيق السلام في سوريا و يحوّرها لصالحه و صالح النظام بدون الأخذ بعين الاعتبار المجازر بحق الشعب السوري و تدمير البنية التحتية للبلاد و تمزيق اللحمة الاجتماعية.و في نفس الوقت يدعم عسكريا أيضا من خلال تقديمهصواريخ و أنواع أخرى من الأسلحة الثقيلة و أجهزة مراقبة الكترونية و خبراء و مستشارين و جنود و ميليشيات. و دعمه لم يقف عند هذا الحد و انما سخاؤه اتضح اكثر من خلال الدعم المالي، حتى و إن لم يوقف تدهور العملة السورية. اما إعلاميا فالماكينة الإعلاميةالإيرانية تشتغل ليلا نهارا بتزوير الحقائق على الأرض و تقديمها بالمقلوب.

تشير الدلائل و البراهين على أرض الواقع أن الثورة ماضية بأهدافها و مطالبها و على رأسها اسقاط النظام،رغم تدمير البنية التحتية للدولة السورية و رغم وضع اللبنات الأساسية للهوية الطائفية و التقسيمات الافقية.و أيضا تبين الدلائل و البراهين عن عدم وجود مؤشرات إيجابية لارتفاع وتيرة الدعم العربي لا كما و لا كيفا.كما إن الدعم العربي مازال في المستوى الضعيف الذي لا يمكّن الثورة السورية من اسقاط النظام الهمجي و الدموي، و في نفس الوقت غير مضمونفي المستقبل. و تشير الأحداث و الوقائع على الأرض أن الدعم الإيراني الروسي الصيني مستمرعلى نفس النمط بل إمكانية تصاعد وتيرته موجودة.

تواجه الثورة السورية مجموعة تحديات في ظل الدعمالعربيغيرالمضمونوالمتقلب.حيث إنها تؤثر على مستقبل الثورة و مستقبل سوريا، شعبا و دولة.

1 – في حال طال أمد الثورة و أستمرت أكثر في منحاهاالدموي،تكون أهداف الثورة و مطالبها الجوهرية أي (الحرية و الديمقراطية و المشاركة السياسية و التداول السلمي للسلطة و إعادة الكرامة المنتهكة و الرفاه الاقتصادي) معرضة للتغيير و التبديل إلى أهداف و مطالب أهمهاإعادة الأمن و الاستقرار.

2 -استمرارية الثورة السورية غير مضمونة في ظل القمعالمتواصل و القتلالممنهج و الدعم الذي يقدمه هذا الحلف المجرم للأسد و نظامه.

3 – من الصعب حماية الثورةبدون أن يلتف عليها هذا النظام المجرم و يعيد انتاجه من جديد أو يضمن لنفسه موطئ قدم في السلطة و القرار السياسي في المستقبل.

4 –التفكك في البناء الاجتماعي السوري و نمو التقسيمات الافقية و الهوية الطائفية على حساب الهوية الوطنية.

الثورة السورية في ظل هذه التحديات تواجه مصيرا مجهولا، ممايخيف كل انسان حريص على ثورة و مستقبل الشعب السوري. حيث كلما طال أمد الثورة كلما برزت أكثر هذه التحديات إلى السطح و حرفت مسار الثورة من طريقها الأساسي و من أهدافها الجوهرية. لذلك العرب اليوم مطالبون أن يقفوا بحزم الى جانب الثورةو الانحياز للشعب السوري في وجه النظام و في وجه ايران و مشروعها الخبيث في المنطقة، حتى لا تفشل الثورة و تصبح في خبر كان.