الفرس ومسيرتهم

م. يوسف العوهلي

 

بعيداً عن التوتر والضوضاء وقريباً من التعقّل والهدوء لعلي أكتب ما أراه حيال الفُرسِ ومسيرتهم:

 هل هي صدف تاريخية يتم إستغلالها؟ أم هي خطط إستراتيجية  خبيثة ترسمها شياطين الإنس والجن (المسيحيين واليهود والمستفيدين منهم)؟ أم هي مزيج بينهما؟ الجواب على هذه الأسئلة صعب للغاية وقد لا تجد إثنان يتفقون على الإجابة. ولكن الأكيد أنها  من “تلك الأيام نداولها بين الناس لعلهم يتفكرون” آل عمران.

 كان هناك الشاهٍ شاه الذي طغى في البلاد والذي زُين له سوء عمله. داء العظمة لم يسمح لمحمد رضى بهلوي بأن يرى أنه يلقي بنفسه إلى التهلكة مدفوعاً من أقرب أصدقاءه (أمريكا)؛ ففي أكتوبر عام 1971م حلت ذكرى مرور 2500 عام على إنشاء الإمبراطورية الفارسية، وقد دعيت شخصيات أجنبية وعربيه للحفل الذي استغرق ثلاثة أيام مليئة بالتبذير المفرط، وبلغت التكاليف الرسمية للحفل 40 مليون دولار، وتقديرات أخرى أشارت إلى أن المبلغ تراوح ما بين 100 – 120 مليون دولار، في وقت رزحت فيه ولايات ومحافظات بلوشستان وسيستان وحتى فارس، وهي المناطق التي أجريت فيها الإحتفالات، تحت وطأة جفاف وقحط وفقر. وفي أواخر سنة 1974م وبدل أن تعمل الطفرة النفطية على إنتاج “حضارة عظيمة” كما وعد الشاه، فقد إتسع التضخم والهدر و”الفجوة المتسارعة” بين الأغنياء والفقراء، والريف والمدينة.

 وفي سنة 1976م أثارت حكومة الشاه غضب “الفئات المتدينة” الإيرانيين بتغيير بداية السنة الإيرانية، من سنة الهجرة النبوية إلى سنة إعتلاء سايروس العرش الفارسي؛ إيران قفزت بين ليلة وضحاها من سنة 1395م للهجرة إلى سنة 2535 الملكية، وفي السنة نفسها أعلن الشاه التقشف الإقتصادي بهدف كبح التضخم والهدر والبطالة الناجمة عن ذلك أثرت سلباً على آلاف المهاجرين إلى المدن، وهم ضعاف وغير مؤهلين لأي حرفة أو صنعة.

 طوال فترة الستة سنوات التي أصيب بها الشاه بداء العظمة كان يحلم بدولة فارسية عظيمة يعيد فيها حضارة أجداده، وكان التسلح من أمريكا يمتص جميع موارد بلاده الطبيعية والبشرية. وتسارعت الأحداث في إيران خلال عامي 77 و 78 بشكل فجائي ومخيف ظهر خلالها أطراف كثيرة من المعارضة للشاه، وأتت أولى مظاهر المعارضة من الطبقة الوسطى في المدن، وهم فئة من السكان كانوا من العلمانيين نسبياً وأرادوا بناء ملكية دستورية وليس جمهورية إسلامية، ومن أبرز هؤلاء مهدي باذرخان من “حركة تحرير إيران”، وهي حركة ليبرالية إسلامية معتدلة كانت وثيقة الصلة بالجبهة الوطنية التابعة لمحمد مصدق، وقد لاقت هذه المجموعة دعماً كبيراً في إيران ومن الغرب.

 إلا أن انقسام رجال الدين وتحالف بعضهم مع الليبراليين العلمانيين وآخرون مع الماركسيين والشيوعيين أدى بالخميني الذي كان منفياً في العراق، بالعمل على أن تتوحد المعارضة الدينية والعلمانية والليبرالية والأصولية تحت قيادته، وذلك عبر تجنب الخوض في التفاصيل، على الأقل علنا، فتلك قد تفرق بين الفصائل. وقد عملت مختلف المجموعات المناهضة من الخارج، في الأغلب من لندن وباريس والعراق وتركيا. وسجلت خطابات قادة هذه الجماعات على أشرطة تسجيل ليتم تهريبها إلى إيران ليستمع إليها الكثيرمن الشعب. وكانت الجماعات المتدينة أول من نجح في حشد المناصرين ضد الشاه، وفي يناير 1978م أوردت الصحافة الرسمية قصة تشهير هاجمت فيها الخميني، مما أدى إلى خروج جموع غاضبة من الطلاب والزعماء الدينيين إحتجاجاً على تلك الإدعاءات في مدينة قم، وأرسل الجيش لتفريق المتظاهرين مما أدى لمقتل 70 طالباً. وفي صيف  1978م، خرج العمال الذين ينحدرون في الغالب من أصول ريفية تقليدية إلى الشوارع في أعداد حاشدة، في حين أعلن عمال آخرون الإضراب. هكذا ومع حلول نوفمبر كان الإقتصاد قد أصيب بالشلل جراء الإضرابات.

 وعلى الصعيد الخارجي التقى الشاه خلال عام 1977م مع كل من ألفريد أثيرتون، ووليم سوليفان، وسايروس فانس، والرئيس كارتر، وزبيغنيو برزيزينسكي، ففي مواجهة هذه الثورة سعى الشاه وراء مساعدة من الولايات المتحدة. السفير الأمريكي في إيران، ويليام سوليفان يقول بأن مستشار الأمن القومي الأمريكي السيد زبيغنيو برزيزينسكي “أكد للشاه مراراً وتكراراً أن الولايات المتحدة تدعمه بالكامل”. لكن كارتر فشل في الإلتزام بتلك الوعود والتأكيدات، وفي 4 نوفمبر 1978م، اتصل برزيزينسكي بالشاه ليبلغه بأن الولايات المتحدة “ستدعمه حتى النهاية”، وفي الوقت نفسه، قرر بعض المسؤولين رفيعي المستوى في وزارة الخارجية أن الشاه يجب أن يذهب بغض النظر عمن سيحل مكانه.

 إستمرت أعمال العنف والقتال التي أودت بحياة المئات من الناس بلغت الاحتجاجات ذروتها في ديسمبر 1978م، وفي 12 ديسمبر خرج إلى شوارع طهران نحو مليوني شخص ملئوا ساحة أزادي (شاهياد) مطالبين بإزالة الشاه وعودة الخميني حتى سقط الشاه وغادر إلى الأبد في 16 يناير 1979م. وبعدها بإسبوعين استقبل الايرانيون الخميني.

 كانت هذه نبذة تاريخية مختصرة لما جرى في بلاد فارس خلال فترة لم تتجاوز 8 سنوات تغيّرت نتيجة لها خارطة الشرق الأوسط وتغيرت معها موازين القوى. تشير الإحصاءات الدولية إلى أنه ما لا يقل عن 20 ألف مواطن أيراني لقوا حتفهم منذ الثورة الخمينية نتيجة للتصفيات والمجازر التي ارتكبتها الثورة تجاه أي معارضة. وانتهج الخميني نهج القائد الأعلى المقدس الذي لا ترد كلمته، وأسس الأجهزة المدنية والعسكرية والأمنية التي تحمي هذا التقديس إلى يومنا الحالي. الأوضاع في إيران بعد الثورة كانت هشة للغاية وكانت قابلة للإنفجار في أي لحظة، وإستغلت أمريكا هذه الهشاشية للإطاحة بالخميني عن طريق أوساط عربية إلا أن الخميني إكتشف الخطة من المخابرات الروسية وأعدم كل من كان له صلة من الضباط والجنود الإيرانيين.

 وإستمرت القلاقل في إيران حتى أسدى صدام حسين أكبر هدية للخميني عندما قرر (بإشارة خضراء من أمريكا) غزو إيران والقيام بإنقلاب على الخميني، ويضاف هذا القرار الغبي من صدام حسين إلى رصيده من القرارات الحمقى، حيث وحد الغزو العراقي الشعب الإيراني بجميع فئاته خلف الخميني. وبالرغم من أن صدام حسين أدرك خطأه الكبير بعد سنتين من الحرب الطاحنة وحاول تدارك الخطأ بإعلان الهدنة إلا أن الكفة في ذلك الوقت كانت للصالح الإيراني ومنها رفض الخميني ذو 82 عام الهدنة. ويقول المؤرخون أنه لولا الغزو العراقي لإيران لسقط الخميني خلال سنوات قليلة.

 حاولت، وما زالت تحاول، ايران تصدير ثورتها إلى دول المنطقة بنجاح محدود، إلا أنها نجحت في لبنان بتكوين جماعة نصرالله. إلا أن إيران صبورة جداً وهي تطمح لأكثر من تصدير الثورة فقط. فهي مازالت تحمل حلم الشاه بإقامة حضارة فارس القديمة مستغلة فيها الاسلام ويساعدها في هذا الحلم اليهود والمسيحيين المتشددين.

 ماذا تريد أمريكا المسيحية واليهود من إيران؟ سؤال يجوب خاطر الكثير من الناس، وللإجابة عليه يجدر بنا أن نحدد من هم اعداء أمريكا المسيحية واليهود الصهاينة. يأتي الإسلام بالمرتبة الأولى لأن أمريكا اكثر ما تخشاه هو الأيدولوجيات لأن الأيدولوجيات تبني قاعدتها من عامة الناس الكثيفة ويكون بالتالي تأسيسها قوي ومن الصعب جداً ازالتها، ولنا في الشيوعية خير دليل، ومن قبلها النازية. لكن الإسلام يختلف فهو ليس فقط أيدولوجية بل منظومة سياسية وإقتصادية متكاملة مبنية على العدل. وهذا أرفع درجات البناء البشري. لذا فإن المسيحيين واليهود يدركون تماماً هذا الشيء ويعلمون جيداً بأن الإطاحة بالإسلام ليست سهلة كالإطاحة بالشيوعية.

 وقد أدرك المسيحيين والصهاينة بأن ما قام به الخميني يعتبر سابقة في تاريخ البشرية الحديثة، أو حتى القديمة إلى حدٍ ما. فكيف يكون لشخص واحد أن يجنّد شعباً كاملاً بأكثر من 50 مليون نسمة لتقديسه وإتباع أوامره بكل بساطة؟. وكيف بنى الحرس الثوري الجبّار؟ الذي لا يضاهيه أي قوة أمنية/إستخباراتية في المنطقة خلال أقل من 5 سنوات!!! وكيف استطاع أن يجعل ولاية الفقيه أمر مقدس لدى شعبٍ كامل؟ خلاصة: كيف إستطاع تخدير شعبٍ كامل؟

 تربط اليهود علاقات خاصة مع الفرس منذ قديم الزمن، منذ السبي البابلي، فلم ينقذ اليهود من الإستعباد في بابل إلا الفرس وكان لدى الفرس أسبابهم ويدرك اليهود هذه الأسباب إلا أنها في النهاية مصالح متبادلة، واستمرت هذه المصالح حتى يومنا الحالي. هذا من ناحية ومن ناحية أخرى يشترك اليهود/المسيحيين مع الفرس في عدوٍ واحد وهم العرب/المسلمين، لذا لا يحتاج المسيحيين/اليهود للذهاب بعيداً ليبحثوا عمن يتلذذ بخدمتهم مقابل شيء بسيط جداً بالنسبة للمسيحيين/اليهود. ماذا يضير المسيحيين/اليهود لو أن الفرس بنوا حضارتهم التي يطمحون لها في المنطقة مقابل القضاء على ايدولوجية الاسلام؟ وخاصة أن فرصة النجاح (كما يعتقدون) كبيرة جداً فإيران محسوبة كدولة اسلامية ولا يخطر في بال شريحة كبيرة من المسلمين :كيف تدمر ايران (المسلمة) الاسلام؟ يعتقد الطرفين بأنها تجارة رابحة: تحارب إيران الإسلام برجالها ومالها مقابل الأرض.

 نفس إيران وحلفاؤها المسيحيين/اليهود طويل جداً وهم يدركون أن حرب القضاء على الاسلام لا تأتي في يوم وليلة، فكيف يقضون على ايدولوجية استمرت لأكثر من 14 قرناً من الزمان؟  وتدرك ايران أن محاربة الاسلام ليست بسهلة، وكيف تكون سهلة ومازالت معركة القادسية لا تفارق مخيلتهم؟ لذا بدأت إيران منذ ما يقرب من 30 عام في الحرب الفكرية على المسلمين في أقطاب الأرض: من إفريقيا وأمريكا الجنوبية وجنوب شرق آسيا وحتى الدول العربية. أنه التشيّع. بطبيعة الحال هذا النمط من الحرب يستغرق وقت طويل ولكنه فعّال للغاية.

 خلال العشر سنوات الماضية إستنفذت أيران مواردها بالتسلّح وبناء البرنامج النووي ودعم حزب الله في لبنان وبنفس دفع مبالغ طائلة في التشييع. صاحب هذا الصرف المرهق لميزانية الدولة الإيرانية المقاطعة الغربية للبترول الإيراني مما أدى إلى ضعف اقتصادي وتضخم كبيرين في ايران. وتعلم ايران جيداً بأن مسيرتها  بحاجة لمبالغ طائلة من المال لتمويلها، لذا كان لابد للتغيير الصوري في إيران؛ لذا أتت خطة الهدنة لتجميع القوى بعد عشر سنوات من تسلق الجبل. إنها فترة أخذ نفس عميق إستعداداً للمرحلة القادمة. فكان لزاماً على احمدي نجاد الذهاب، ولما لا فقد أُستهلك. وحان الوقت لشخص آخر يوهم العرب/المسلمين بسلم مزيّف. وها هو روحاني.

 البرنامج النووي الإيراني مدعوم سياسياً وتقنياً من امريكا واسرائيل. إذاً لماذا كل هذه الضجة والمقاطعة لإيران؟ والاجابة على هذا السؤال بكل بساطة أنهم المسيحيين/اليهود فقد التزموا بالحصة الأولى من الأرض (العراق + لبنان) واعطوها إيران، ولكن إيران مازالت بحاجة لأن تثبت لهم ما الذي عملته للوفاء بالتزاماتها!! ماذا فعلت إيران في حربها على الإسلام؟ وهنا تأتي مشكلة إيران فالإثباتات ليست بسهلة ! والحرب الإيرانية على أيدولوجية الاسلام ليست بسهلة القياس. إذاً يرى المسيحيين/اليهود أن على إيران أن تفعل المزيد، ومن هنا أتت المقاطعة وذلك للضغط على إيران اقتصادياً وإرغامها للوفاء بالتزاماتها. ولنفس السبب قد تخسر إيران المعركة في سوريا حتى تفي بالتزاماتها.

 قد تخسر إيران المعركة، ولكن هل تخسر الحرب؟ والجواب هنا بسيط للغاية فقد تكسب إيران الحرب على العرب، والمسلمين ولو جزئياً ولكن إن الله متم نوره ولو كره الكافرون. فلن تستطيع أي قوة على وجه الأرض ولو اجتمعوا أن تقضي على الاسلام والمؤمنين؛ وهذا وعد من الله سبحانه وتعالى حتى يرث الله الأرض ومن عليها “وكان وعداٌ علينا نصر المؤمنين”

 

مصادر المعلومات التاريخية: كتاب “الثورة البائسة” موسى الموسوي طبعة عام 2007م

  

كتاب ” مدافع آية الله: قصة أيران والثورة”  حسنين هيكل  عام 2008م

 

ويكيبيديا – الموسوعة الحرة