الصوت

ثائر الشيخ

 

لَم يَنَم مُنذُ أيّام ..

كُلُ ما يملأ رأسَهُ حالياً ولا أقولُ دائماً , هوَ سؤالٌ واحدٌ لا غير…؟

 

(من تُراهُ هذا الشيخ العجوز الذي يقيم بجوارهِ مُنذُ فَتَحَ عيناهُ إلى هذه اللحظة) ؟؟

 ثـــائـــر الـشــــيــخ

أعلمُ قطعاً أنهُ كانَ يسأل نفسهُ هذا السؤال كثيراً , ولولا أنَهُ لم يتمكن من النطق بعد لفتح عليَّ نيرانَ أسئلةٍ أُخرى كثيرة أيضاً لا يُعدُّ السؤالُ عَمّن أكونُ مَعها ذا قيمةٍ , فما يعتلجُ في صدرِ ذلك المخلوق أكبَرُ وأوسعُ من احتمالنا جميعاً .

 

أُدعى سليم , وأقطِنُ البلدةَ مُذ كُنتُ صغيراً ..

نَزَحتُ مع باقي أفراد عائلتي عبر قنوات ضيقةٍ من مسالِك اجترحها الرجال ليعبروا بمن يَترُك الأرضَ إلى بَرِ الأمان إن جازَ التعبير ..

 

لم أعد أتذكرُ فِعلاً كم أبلُغُ من العمر, أو قُل أني لم أعد أعبأ بوحدات القياس المُعتَمدَةُ لحاسبه , فأنا عجوزٌ طاعِنٌ في السِن إن استعرَضتُ عليكَ ما مَررتُ بهِ من أحداث تَجعَلُ الوِلدانَ شِيبا , وشابٌّ أملِكُ كلَ ما يَملكهُ الشباب وزيادة من إرادةٍ وتصميمٍ وأحلام وشخصيةٍ وعِرَةٍ لا تتمكَنُ مِن فهمِها إلا إذا تَسلقتَ كُلَ قِمَمِها لتَطّلِعَ على ما يكسوها من صفات ..

 

العُمُرُ يا سيدي العزيز لا يَعدو إلا عاملاً مُساعداً للتبرؤِ من الاستمرار في الحياة وانتظار قطار الأموات ليصحبك بعيداً إلى حيثُ النسيان , أو على أقلِ تقديرٍ التَخلي عن الكثيرِ من الأُمورِ التي لا يَستَطيبُ بِدونها العيش , وأنا لا أنوي أن أفعلَ ذلكَ طبعاً..

قُـل أنَّ عُمريَ هو آخِرُ ما يُمكِنُكَ مَعرفَتَهُ تَماماً , إلا إذا أردتَ أن تَكونَ سَطحياً كالباقين لِـتُطلقَ حُكماً لا أظُنُكَ تَبلُغُ بِهِ مُرادَكَ مِنَ التقييم .

 

ها قد عادَ مُجدَداً للصُراخ ..

لم يكن مِن المُمكنِ حَقنُهُ بمُهَدئ أو مُسَكِنٍ للآلام التي يُكابِدُها مُنذُ استَفاقَ مِن غَيبوبَتِهَ التي دامَت أياماً لِـيجدَ نَـفـسَهُ بِدونِ ذاكرةٍ مُقعَداً وبيَدٍ واحدَةٍ , ولا يستطيعُ النُطقَ أيضاً ليتمَكَنَ مِنَ السؤال عمّا يّدورُ حَولَهُ أو فِيه ..

كُلُ ما عليهِ الآن هو أن يَعتَد الألَمَ مُجدَداً ويَمُلَّ الصُراخَ الذي استَعَرَ لَهُ باقي الأحياء الأموات الذين يرقُدونَ مَعنا في نَفسِ المكان , وإذا أسعفتني الحالة سأكمِل لَكَ الحكاية عَمّن أكونُ ومن يَكونُ كُلُ هؤلاءِ الجَرحى والقتلى الذين يملئون علَيَّ حياتي ..

 

دَعنا ننتظِرُ بمرارة أن يَنتهي من صراخِهِ الذي لَن يُجديهِ نفعَاً ولن يَكونَ إلا مَجالاً آخَرَ من مِضمارٍ طَويلٍ من آلامٍ ومعاناة يَمُرُّ بِها هذا الذي يَرمقني بِنظراتِهِ كُلّما استطاعَ إلى النَظَر إلَيَّ سَبيلا ..

 

لَم يَكن التَعَرفُ علَيَّ هُوَ ما يُثيرُ فُضولَهُ ولكن عدَمَ اكتراثي للباقين ممن هُم أمرُّ منهُ حالاً هو ما يُسَعّرُ استغرابَه ..

 

قَليلاً بَعدُ وسَيَكُف عن الصراخ , وسَيعودُ الباقينَ أيضاً إلى السُكونْ . على أنّهم سَيُعاودونَ الصُراخَ مِراراً وتَكراراً إلى أن يَقضيَّ الله بيني وبينهم أو يَجعَلَ لَهم مَخرجاً فأُغادِرهُم إلى حين .

 

لِـمَ تُـراكَ تُحَدِقُ بي أنتَ أيـضاً أيـها الـسـيد ..؟؟

أتُـراكَ تَـعجَـبُ مِـن بُـرودَةِ أعـصـابي .. ؟

أم تُـراكَ تَـستَـغرِبُ مِن قُـدرَتي على احتمال كُلِ تِـلـكَ المَـناظِر التي لا تَـسكُنُـها إلا شَياطينِ العذاب وآلِهة الألم وبَـقايا ما تَـكـتَـنِـزَهُ بَـعـض ذِكرياتِهم من انهياراتٍ زَلـزَلت مُـعـظَـمَهُم كَـثيراً …؟

لا تَـعجَـب يا سَـيدي ودَعني أُضَـمِـدُ لَكَ أنتَ أيضاً تلكَ الجِراح , فأنا الوَحـيدُ القادِرُ على القِيامِ بِذلِكَ لَكُم جَميعاً ..

 

يَـعلم الله بأنني لَستُ بارِدَ الأعصاب لكِـنَني ألتَزِمُ الصَبرَ و الصُـمـود لأُعـيـنَكُم على ما أنتـُم و أنا فيهِ مِن وَيلات .

 

ألـزِم نَـفـسَك لا تَـبـدَأ بِـالصُـراخ أيـضاً فـَتُـثيرُ شَهَيَـةَ الـباقين للصُراخ مُـجَـدَداً , وحَـسبُك أنَكَ على الأقَل لازِلّـتَ تَـمـلِكُ يَـدَيَـكَ كِـلتاهُـما مَـعاً و باقي أطرافِكَ كُـلِها , وهذِهِ نِـعـمَـةٌ بِـل قُـل رَفـاهِـيَـةٌ لا يَـتَـمَـتَـع بِـها الجَـميع هُـنا إلا أنتَ وأنا إلى هَذِهِ اللحظة …

هـاتِ يَـدكَ الأُخرى ..

 

المَوقِـف يا سَيّـدي أملى عَلَيَّ إرادَتَـهُ بأن أبقى صَلباً صَلداً كالحَجارة لأُكمِلَ ما وَقَـفـتُ نَـفسي لَه وعَـكَـفـتُ عَـلـيـه مِـن تَـضـمـيدٍ للجَـرحى ولَـمـلَـمَـةِ ما أستَطيعُ لَـمـلَـمَـتَـهُ من شُـتـاتَـهَم ومُـحاوَلَـةَ البَقـاءِ بِـهِـم بَـعيداً عَن دُروبِ المُـطارِدينَ مِـن أوباشِ الجَريمَـة وغَرابـيـب الظَـلام التي ألـحَـقَـت بِـنا كُـلَ ما تَـراهُ يا سَـيّدي ..

 

رُبَّـما اعـتادَ الكَـثيرُ مِنّا مـا تـَراهُ الآن وَلكن دَعني أسألكَ يا سيَدي – حَـضـرَةَ الـشـابِ – الذي لَـم يُـطـلِعني على اسمِهِ حَتى بَـعـدَ كُـل هذهِ الأيام التي قضيناها معاً ونَحنُ نَـرزَحُ تَحتَ حِـصار القَذائِف و مُطارَدَة الذِئابِ اللَـئيمة التي أجبَرَتـنا أن نَستـَوطِنَ الجُحـور ..

 

من أنتَ يا سيدي ..؟

ماذا تَـفـعَلُ هُنا في بَـلَـدي في هـذِهِ الظُروفُ التي تَـخلى الكَـثيرُ مِن أهلنا عنا منذُ سنينَ طَـويلة …؟

وماذا صَنعتَ ليُـفعَـل بِـكَ كل هذا ..؟؟

 

لا تَـتـصَنع الوَجع يا هذا لتتهربَ من الإجابة , فأنـا رَجُلٌ يَـعرِفُ كيف يَـستَـنطِق الحَجَر ويَكـسَبَ صِـفَـةَ المُـرور بِسَهولة ..

 

لَـملَـمَ الشاب شَفَـتيهِ لِـيـلفُظَ اسمَه فَـلم يَستَطِـع ..!!

لا أعرِفُ لِمَا لا يَستطيع الكلام كما البقية كلهم لا يستطيعون ذلك ايضاً ..؟؟

 

نَـظَـرَ إلَيَّ مُـباشَرةً مُـعـلـناً عَـجَزَهُ عن الإتيانِ ولو بِـبـنتِ شَـفـة ..

 

الموقف غريب ومحاولاتي التي بدأت مُنذُ اللحظةِ التي وصَلتُ بـها إلى هذهِ الجُحور باستنطاقهم أو حَـثَهُم على الكلام لَـم تُـجدي أيَ نَفعٍ بَـتاتاَ ..

بَـل أنَ الأغرَبُ مِن ذلكَ قُــدرَتـَهُم على الصُراخ لـكِـنّهُم لا يَـستـطـيـعـونَ الكلام ..!!

الأغرَبُ .. أنَّ أحداً مِنَ الذينَ يُطاردونَـنا لَـم يَـسمَع صُراخَهم قَـط وإلا لَكُنا الآن في خبرِ كان فَلَـرُبما قاموا بِـقـتـلنا جميعاً دونِ أيِ وازِعٍ من رأفَـةٍ أو شَفـقـة على مَن فيهم كُل هذهِ الجراح التي ستستعمِرُ معظمنا طويلاً , و رُبـما إلى نِـهايَـةِ الـعُـمر إن كانَ في العُمِـرِ بَـقـيَـة .

 

أها ..

لازِلتَّ شَغوفاً بالأسئلة أيها الشاب ..

أنا أستطيعُ أن أفـهم ما تُريدُ أن تَـسألني عنه أيضاً .. فعيناكَ تَـدُلاني دوماً على ما تبحث عَنهُ مِن إجابات ..

اسمعني يا ولدي الحبيب ..

أنتَ تُـريدُ أن تَـفـهَم سَـبَـبَ وجودي مَعكم في هذه الحفرة أيـضـا رُغمَ أني لم أُصَب أو أُجرَحُ وحتى أنني لم أكن مَـعَـكُـم أصلاً ..

ألَـيسَ هذا ما تبحثُ عنه ..؟

نَعم نَعم .. لم أُصب ولم تَـرَوني إلا بَعد أن ذَهَبت أصواتُ القذائِف وصَـمَـتـت طَـلـقات الرصاص ..

هذا لأني أيها السيد لم أكُن إلا عابِرَ سبيلٍ مَـرَّ بِـقربـكم فـتـَلاقَـفَـتني النِيرانُ يَـمنَـةً وشِمالاً حتى حَطَطتُ بِـتِـرحالي بَـينَكُم وأُجبِرتُ أن أسـلُكَ هذهِ الأنفاق لأصلَ إلى مَلاذٍ آمـن .. لكنني لم أتمَكن من الفرار مطولاً .. فَـلم أشأ أن أُبارِحَ المَكانَ وأنـتُم في هذهِ الحالة ..

هو .. ؟؟

آه

نعم ؟؟

تَقصِد الشاب الذي بَيَدٍ واحِدة …!؟

نعم .. إنهُ وَلدي يا سيدي الشاب ..

هو ابني الأكبر ..

لم يَـتمكن من النطق أيضاً لكنني أعرِفُ تماماً إنهُ لَـم يَـتـعرَف علَيَّ أيضاً مِن بَينِ الناس ..

أُلاحِظُ هذا كثيراً ..!!

فَهوَ لَيسَ كَعادَتهِ عندما يَكونُ بوَضعٍ كالّذي نَحنُّ فيه ..!!

كانَ في مكانٍ آخر سيحتضنني ويلُمَّني بينَ ذراعَيهِ القوية ..!

أها..

لا لَـم أنسَ أنَهُ بِـيدٍ واحدةٍ .. ولكنَّهُ كانَ سَيـجِدُ حَلاً ..

لِمَ أنتَ مُندَهِش ..؟

لا تندَهِـش ..

فما تراهُ هنا لا يُـعَدُّ شَيئاً بالنِسبةِ إلى ما ألِـفناهُ مِن عُقودٍ مَضت ونَحنُ نَـرزَحُ تَـحتَ عَـصفِ القَـصفِ المَـريرِ و المُتَـكَرر .. والجورِ والظُلمِ والاعتقال والتعذيب والإبادة الجماعيةُ او الفردية ..

لا بد أنهُ سيتذَكرني عِندما نَـعودُ أنا وهو إلى بِلدَتِـنا حَـتماً ..

سيتعافى وكلُكـُم أيضاً ستـَتـعافَـونَّ , وسأعمًلُ على إرجاعِكُم إلى بِـيـوتِكُم بَـيتاً بيتاً ..

لا تخافوا .. سأبذِلُ كُلَ ما في وسعي لِذلك .

 

لَقد نامَ السيد الشاب ..

لا بدَّ أن حَديثي أتـعَـبَـهُ فِـعلاً ..

وما العَـمَـل ..؟

أنـا لم أتحدث مع أي شخصٍ مَنذُ أيــام إلا معَ هذا السَيدِ الشاب الذي لم يفتح فاهُ هو أيضاً ولو بِحرف ..

سأبقى أسهَرُ عَليهم وعلى ولدي الحبيب إلى أن يَـتعافونَ جـميعهم .

 

لا بدَ مِن أنني كُنتُ نائماً !!؟

 

لا أعرِفُ كيفَ وصَلتُ إلى هذهِ الغُرفَة الفارغة ..!

ليست من بيتي ..!

لا بُدَ أن يكونَ لِهذا تَفسيراً ..!!

لا أستطيع أن أتحَرَكَ في بَيتٍ لَيسَ لي ولا بُدَ من أن أنتظرَ ساكناً حتى يأتيَّ أحدَهُم لأسألَهُ عَما جَرى فَلا أظُنُني قد نِمتُ طويلاً ..

 

رُبَما نمتُ ولكن .. لدقائِقَ ربما ..!!

بأحسنِ الأحوال أقلَ من ساعة ..!

ومن الذي كان سيَتركني مِن الجرحى لأنام لأكثر من ساعة ..!

لا بُدَ أن أسألَ عَن السيد الشاب وَوَلَدي الحبيب وباقي الشَبيبة ..!

لا بدَّ أن الله استجابَ صلواتَنا وتَمَّ العُثورُ علينا ..

لا بُدُّ مِن أنَنا أُنقِذنا ..!!

 

يا الله ……

إلى الآن لم يأتِ أحد ..!!

رُبَما يَنبَغي أن ألزَمَ الهُدوء أو رُبَما يَجدُر بي أن أُنادي لَعَلَ نِدائي يأتي بِمَن أقِفُ مِنهُ على الحال ..!!

يجب أن أعرِفَ عن ولدي ..؟؟!!

ماذا حَلَّ بِوَلَدي .. ؟؟

والسيد الشاب ..؟

 

 

لَم يَدُمِ الأمرُ طويلاً , فها هُمِ الرِجالُ يَدخلونَ تِباعاً ..

هُناكَ سَيدَة عَجوزُ كَبيرة معَهُم ..

 

لَم يُلقوا التَحيَةَ والسَلام حتى ..!!!

 

عَلَيَّ أن أنتَبِهَ جَيداً ..

أم تُراهُم قد ألقوا السَلامَ فلَم أسْمَعهُم ..؟

يَعلمُ الله أني لَم أسمَعهُم ..!

وما الضَيرُ إن أنا بادرتهم السلام ..؟

أنا الرَجُلُ الكبير ..

 

يا سادَتي .. السلامُ عَلَيكم ..

لَم يَردوا !!

 

السَلامُ عَلَيكُم يا أصحاب الدار …

السَلامُ عَلَيكُم يا سادتي أرجوكم ..

 

ما بالُهُم ..؟!!

لا أحَدَ منهم يَرُدَ السلامَ , بل قولوا وكأنهم لا يروني .!!

كل ما يَفعَلونَهُ الآنَ هوَ التَجولُ بِنَظَراتِهم يَميناً وشِمالاً ..!

 

شيءٌ ما قَد عَقَدَ لِساني ..!!

 

أهّا ………

لَقد بَدَأ أحَدُهُم بالكَلام ..

 

أمي .. لَم يَكُن يَحدُثُ شيءٌ قُلتُ لك ..

 

لا يا بُنَي .. إني أسمَعُ أصواتاً تأتي من تَحتِ الأرض قُلتُ لَك ..

 

أيَ أرضٍ يا والدتي .. ؟

 

أرض الدار يا بُنَي ..

أوَ تحسَبُني خَرِفتُ يا وَلَدي ؟

 

لا قَطعاً يا أمي , لكِننا هُنا مُنذُ سنينَ طَويلةٍ ولَم يَحدُث قط شيءٌ مما تَقولينَ لنا عَنهُ الآن ..!!

 

يا بُنَي , أنا أسمَعُ صُراخاً مِنذُ أيامٍ وأيام لكني قُلتُ في نَفسي لأتَحرَ الأَمرَ بِنفسي , فَعزَمتُ على ذلكَ لكِنَني لَم أعُد أسمَعُ شَيئاً مِنهم مُنذُ لَيلِ البارحة .. أما اليوم فقَد عادَ الصُراخُ عالياً وعالياً ثُمَ خَفَتَ فَـلَم أعُد أستطيعُ تَتبعَهُ .. !!

لقد قُلتُ في نَفسي لَعَلَكُم تُعينوني يا بَنِيَّ على العُثورِ على مَصدَرِ الصُراخ أو قَد أكونُ ..!!

لقَد كانَ صُراخُ رِجالٍ لا أحسَبُهم بِخير ..!

 

يا أُمي .. وأينَ هُم هؤلاءِ باعتقادِك ..؟

 

قالها الولدُ باستهزاء على ما يَبدو فأطرَقَت المرأةُ المسكينةُ العَجوزُ برأسِها خَجَلاً إلى الأرض وكُلُها ندَمٌ وخَجَلٌ مما قَد يَقولُهُ عَنها أبناءَها ..

 

هذا ما كانَت العَجوزُ تَخشاهُ حقاً , فأبت أن تُخبِرَ أبناءَها عَنهُ في بادِئ الأمر ..!!

 

لقد أحبَبتُ أن أُلفِتَ انتباههم إلى أنَني قَد أُساعِدهم بِشيء ……..

لم يَكُن مِن أحدٍ يراني إلا العجوز ..!!

كانَت تَتَحَقَقُ مِن وجودي بَينَ الحِينِ والآخر ..

حاوَلتُ أن أُكلِمَها لولا أنَّها أشارَت بِيَدِها مُستَعيذةً مِني بالله ..!!

تَراجَعتُ وخِفتُ العَواقِبَ التي مِن شَأنِها أن تَكونَ وَخيمةً جداً بالنِسبَة لِمَن هوَ في مَحِلي هذا وبِمِثلِ ظَرفيَ الطارِئُ الذي أمُرُ بِهِ الآن ..

 

لا أعرِفُ ما قد يَكونُ قادِراً على لَجمِ فَمي , فما زالَ لِساني مَعقوداً دونَ أن أعلَمَ السَبَبَ وراءَ ذلك .!!

أيَكونُ هذا المَوقِفُ قَوياً كِفايةً لِيُملِيَ عَلَيَّ الرُضوخَ لانعقاد لِسانيَ الذي لَم يَعقِدهُ شَيءٌ مِن قُوَة وإرغامٍ وتَعذيبٍ ووَحشية عِشتُها مِراراً وتَكراراً في

غَياهِبِ السِجونِ الإسرائيلية ..!!

يا تُرى .. هل سأحتَمِلُ البَقاءَ صامتاً ……؟

لا …

لا بُدَ من أن أعرِفَ ماذا حَلَّ بِوَلَدي ..؟!

 

أيتُها المرأةُ العجوز ..

 

قُولي لَهُم إنكِ تَرينَني ..

 

لِماذا تُطرِقين برأسِكِ أيَتها العَجوزُ الجبانة ..؟

 

رُدَّي عَلَيَّ أيَتُها الحمقاء ..

 

تَكَلَم أحَدُهم قائِلاً ..

 

لا بُدَ أن تحمَدِينَ الله أن سَلَمَنا وإياكِ مما مَرَ بِنا مِن قَصفٍ لأيامَ مَرّت ..

لا بُدَ أنَّكِ الآن تَحتاجينَ إلى الراحة يا أُمَنا.

 

خَرَجَ الجميعُ مُصطَحبينَ المَرأةَ الكبيرة التي كانت تَراني ..

لم أسمَع بعدَ أن أغلقوا الباب الكبير أصواتَهُم مُجَدَداَ ..!!

 

إن كانَ لساني معقوداً فسمعي ما زالَ يعمَلُ وبكامِل قُدرَتَهَ .. بَل أكثَرُ مِن قُدرَتهِ بَكثير , حتى أني قد أُذهَلُ مما قَد استَطَعتُ سَماعَهُ لاحقاً ..!!

 

لا أزالُ أسمَعُ صُراخاً ..

صُراخٌ كأنَهُ يَشُقُ الأرض ..!!

إنَّهُ مِن تَحتِ الأرض ..!!

 

إنَّهُ ..

 

صراخي ..!!

 

إنَّهُ صراخُ جَميع من قضوا من أهلي ..!!

 

إنَّهُ صراخُ فلسطين …

 

أُمي تَنزِفُ أنيناً .. !!

 

لكِنَ المرأةَ الكبيرة صَدَّقَت أنها واهمة ..

 

أقنعها أبناءُها أنَ صَوتَنا لَم يَعد مَوجوداً..

 

بل أن لا وجودَ لِأصواتِنا ..

 

صدَّقَت العجوز أننا غُيّبنا ولَم يَعُد لِأصواتِنا وجود ..

لَم يَعُد لنا وجود ..!!

لا …………

 

نَحنُ لا نَزالُ نَصرُخُ هنا أيُها السادة ..

 

لا نزالُ نكافحُ …

 

ونصرخُ …

 

لكِنَكُم

 

لا تَـفـقَـهـونَ صُراخَـنـا .