عندما يتوقف الفكر

خاطرة .. م. يوسف العوهلي

 

الجمود الفكري والديني الذي اصاب أمة الإسلام، وعلى رأسهم العنصر العربي، منذ ما يزيد عن 1000 عام، هو اعراض طبيعية لانتقال الفكر من حضارة إلى حضارة أخرى. المتتبع للتاريخ الإنساني منذ بدا التاريخ (أي منذ 3500 عام قبل الميلاد) يرى أن جميع الحضارات اصابتها هذه الأعراض، إلى درجة أن بعض تلك الحضارات اختفت من التاريخ بسرعة مخيفة حالما سلّمت الراية للحضارة التي تليها.

 

 بدأ التاريخ بالحضارة السومرية في بلاد الرافدين، وكانت الحضارة السومرية (3500 ق.م.) من أوائل الحضارات التي طوّرت الكتابة والتدوين (هناك من المؤرخين من يقول أن تطوّر الكتابة السومرية تزامن مع الهيروغليفية الفرعونية، ولكن هذا غير صحيح بتاتاً لأن الحضارة المصرية الفرعونية لم تبدأ إلا بعد 500 عام). إلا أنه خلال اقل من الف عام اختفت الحضارة السومرية (كعنصر سومري) من الوجود واندمجت مع الحضارة الأكادية (يقول بعض المؤرخين أن اصلهم من عرب الجزيرة)، وتطورت الحضارة الأكادية حوالي 2500 ق.م. إلا أن الحضارتين البابلية القديمة والأشورية استلمتا راية الحضارة من الأكاديين حوالي 1800 ق.م. والتي فقدت حضارتها أيضاً للفرس، ولا يستبعد أن يكون اصل سيدنا ابراهيم عليه السلام (2000 ق.م.) عربياً من السلالة الأكادية .

 

في أوائل الألف الثاني قبل الميلاد بدأت تظهر بوادر الكتابات الساميّة (العربية والعبرية)، وحيث أن العبرية تُمثّل سلالة يعقوب عليه السلام فمن المستبعد تزامن الكتابة العبرية مع العربية وخاصة أن يعقوب عليه السلام عاش خلال الفترة بين 1800 – 1700 ق.م، ورأيي أن العبرية أتت بعد العربية بما لا يقل عن 400 عام. وبالرغم من تشابه اللغتين نطقاً إلا أن الكتابة العبرية تختلف تماماً عن العربية.

 

استمر انتقال الحضارات بين الشعوب،  كل شعب مضيف إلى ما قبله، مع تفاوت كبير بنوعية وجودة الإضافة بين شعب وآخر؛ فمثلاً لم تضف الحضارة الرومانية شيء يذكر من العلوم، أو حتى الفلسفة للحضارة الإغريقية التي سبقتها، كما لم تضف الحضارة الفارسية شيء يذكر إلى الحضارات التي سبقتها ما عدا الفلسفة؛ والسبب هو انشغال كلِ من الرومان والفرس بالحروب. من ناحية اخرى استفادت الحضارة الإغريقية كماً ونوعاً هائلين من شتى انواع العلوم (وخاصة الفلك) من الحضارتين السومرية والفرعونية التي سبقتها؛ كما أن الحضارة الإغريقية اضافت كذلك كماً ونوعاً هائلين من شتى انواع العلوم والفلسفة، والتي استفادت منها الحضارة العربية/الإسلامية لاحقا.

 

إلا أن جميع هذه الشعوب لديها عامل مشترك وثابت، وهو اندثارها حالما تندثر حضارتها، والسبب لاندثار حضارتها هو توقف الفكر، حيث يصيب هذه الشعوب تعطّل في الفكر. وإذا اخذنا، على سبيل المثال، الحضارة الإغريقية العظيمة، فيستغرب المرء من اسباب تعطّل الحضارة في أوربا لما يزيد عن 1800 عام. والقارئ للتاريخ الأوربي يجد الجمود الفكري الذي اصاب اوروبا بسبب تسلّط الكنيسة على مجريات الحياة في شتى مجالاتها وكيف أن الدين المسيحي أُستخدم لتعطيل الفكر، حيث اتهم كل من يفكر بالعلوم والفلسفة بالكفر، وانتقلت نفس العدوى للمسلمين/العرب قبل ما يزيد عن 1000 عام مضت وإلى يومنا هذا، فنجد على سبيل المثال أن الفكر الديني توقف بموت أبن القيّم رحمه الله عام 751 هجري، وتوقف قبله الفكر العلمي واتهم من يعمل بغير العلوم الدينية بالزندقة، وحتى حاضرنا هناك من يقول أن ليس هناك أي علوم غير العلوم الدينية التي مضى على آخر اجتهاداتها ما يزيد عن 800 عام.

 

من ناحية أخرى نجد أيضاً عاملاً آخراً مصاحب لتوقف الفكر وهو توقف اللغة عن التطوّر، فعلى سبيل المثال نجد التطوّر الهائل للغة العربية والتي اضطرت أن تستفيد من اللغات المجاورة للرقي بحضارتها، وكيف أن الحضارة العربية/الإسلامية توقفت عندما تجمّدت اللغة العربية، وكذلك نرى كيف استفادت اللغة الإنجليزية من اللغات والحضارات الأخرى لتتطور وتتربّع على عرش الكرة الأرضية. اللغة العربية الحالية لا تكفي في أي حال من الأحوال لتطوّر العرب؛ فهي مازالت جامدة خوفاً عليها من التغريب، وبالرغم من كونها لغة القرآن، إلا انها لم تستطيع مجاراة التطور الحضاري لشعوب الأرض، ونجدها الآن في تضائل أدبي وعلمي.

 

لن تستقيم للمسلمين عامة، والعرب خاصة أي أمور مادام الفكر واللغة متعطّلتين، مهما بنينا من ناطحات سحاب ومهما أنشئنا من مدارس وجامعات.. فالتعليم شيء والفكر شيء آخر.