لما لا اكون طائفي؟

م. يوسف العوهلي

 

قد لا أكون مبالغاً إن قلت أنه لم يجتمع في تاريخ البشرية من عرقيات وأديان ولغات، في مكان وزمن واحد مثلما نجده الآن في الولايات المتحدة الأمريكية، حتى أن هناك احصائية رسمية تقول أن سكان مدينة نيويورك الذين يزيدون عن 8 ملايين نسمة، يتكلمون ما يزيد عن 800  لغة.

 

كما أن أمريكا تفتخر بكونها “بوتقة” بشرية، إلا أن هذه البوتقة تحتوي على ما لا يحصى من انواع العنصرية؛ فنجد العنصرية الدينية بين مختلف الديانات (بما فيها العنصرية بين المذاهب المسيحية نفسها)، والعنصرية العرقية ما بين الأعراق الأوربية نفسها، وبينها وبين الأفريقية والاسيوية واللاتينية والشرق اوسطية.. الخ.. ونجد العنصرية اللغوية بين مئات اللغات التي يتكلم بها سكان هذه البوتقة، وكذلك نجد العنصرية المنطقية (أو بمصطلح ادق: الإقليمية) حتى بين الأعراق الأوربية؛ ومع هذا نجد أن ملايين البشر من شتى انحاء العالم يتمنون الحصول على الجنسية الأمريكية، والتي اصبحت صعبة المنال.

وبالرغم من العنصرية البغيضة التي تنتشر في شتى انحاء أمريكا، إلا انها تختفي بأعجوبة عند الأزمات التي تلم في أمريكا من حروب وكوارث طبيعية.

ونجد أن جميع عنصريات البوتقة تلتف حول العلم الأمريكي الذي يجسد وحدة وطنهم. ونجد أن روح الوطنية تتفجر لدى هذه العنصريات عندما تتعرض بلادهم للتهديد، واتضح هذا الأمر بكل جلاء بعد احداث 11 سبتمبر عام 2001، حيث تقول الإحصائيات الرسمية بارتفاع نسبة الانضمام إلى الجيش بـ 23% ƒ مباشرة بعد الأحداث، وكذلك الحال عندما هاجم اليابانيون جزر هاواي اثناء الحرب العالمية الثانية.

إذاً فما السر في الجاذبية السحرية الأمريكية؟

الجواب البسيط هو الديمقراطية والعدل (ولو بنزاهة مشوبة)، وحرية الكلمة (ولو ببعض القيود).

وبالرغم من “أن اكرمكم عند الله اتقاكم” احدثت زلزال عنيف في المجتمع القرشي والإسلامي في صدر الإسلام (وما زالت)، إلا أن العدالة الإسلامية وحرية الكلمة التي استمتع بها المسلمين حتى نهاية خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه نقلت الإسلام إلى اعرق الحضارات في تاريخ البشرية.

إن النفس البشرية لها متطلبات لأبسط الحقوق: العدل، الديمقراطية، والحرية.

اعطني حرية، ولو بقيود، واعطني عدل وديمقراطية، ولو لم تكن نزيهتين بالكامل، ثم حاسبني على طائفيتي وعلى عرقيتي وعلى مذهبيتي وعلى إقليميتي….  وعندما أرى وطني تتم إدارته بفكر ومنهج أقرب ما يكون لإدارة مخيمات الحجاج، فكيف تحاسبني؟

http://www.worldpopulationstatistics.com/population-of-new-york-city-2013/

 

http://en.wikipedia.org/wiki/Demographics_of_New_York_City

 

http://www.uticaod.com/article/20110908/News/309089878